أحمد سليم أمين عام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام
أما نحن طلاب الصف الأول فكان المشهد الكوميدى مريلة من القماش، يختلف نوعه تبعًا للحالة المادية لكل طالب، وكذا نوع الحذاء، نحملُ ثلاثة كتبٍ وكراسات وقلم فى كيس من القماش أيضًا من نفس لون المريلة كنوع من الشياكة، الطابور الأول والخوف من عصا الناظر الخيرزانة، والنظر من بعيد لأساتذتنا الذين كان بعضهم يرتدى الزى الأزهرى.
البداية فى محطة التعليم، أول حرف، وأول كتاب، وأول حصة، وأول جرس فسحة، وأول عودة للبيت الكبير، يسألك الجد والأب والأم: "ماذا فعلت فى يومك الأول؟".
يظلُّ للبداية طعمها فى كل مرحلة تعليمية فى أول زيارة للقاهرة، كانت المدينة عندنا تنتهى فى طنطا، مسجدها البدوى هو الأكبر فى نظرنا ربما فى العالم كلُّه، القطار الذى يختلف نوعه من البخارى إلى اليابانى هو أهم وسيلة مواصلات تنظر إليها بحذر، وننتظر اليوم الذى نركبه ونذهب به إلى المدينة.
وتأتى رحلتنا الأولى للقاهرة زيارةً لحديقة الحيوان، وصور بالأهرامات مازالت تقبع فى حقيبة الذكريات، ومساجد أكبر كثيرًا من البدوى، وناس كثُر فى الشوارع وانبهار الطالب القادم من القرية فى سنوات عمره الأولى إلى القاهرة، والنيل، والأهرامات، والحسين، وظلت الرحلة الأولى هى الأجمل، وتحولت إلى حلم أطالب به والدى -رحمه الله- أن يتكرر معه، وزرت معه بيوت الأولياء وحديقة الأندلس التى كانت حديقة، وظلت رحلتى الأولى إلى القاهرة وإلى الإسكندرية هى الأجمل من رحلاتى إلى أى عاصمة فى العالم.
وتظل البدايات هى الأجمل فى حياتنا، الرسالة الأولى لزميلتك التى كنت تظنها ليلى فتقضى ليلك تكتب إليها الخطابات المزينة بأغانى حليم، لتضعها خلسة فى كراستها وتنظر رد فعلها.
المقابلة الأولى فى حياتنا للكثيرين تظل أيضًا تحمل اختلافات كثيرة وذكريات أكثر، ومع كل الحب للبدايات الجميلة فى الحياة تفاجئنا دائمًا النهايات بما هو مختلف، قصص الحب الجميلة تنتهى بالفراق، والأحلام الكثيرة يوقظك منها كابوس الحياة بآلامها ومشاكلها العديدة.
وما بين البدايات الجميلة والنهايات غير المتوقعة يسير بك قطار الحياة.
يتوقف بك فى محطات عديدة ليغادره أعزاء، ويتحرك ثانيةً حاملًا أعزاء آخرين فينسون رحلتك حتى محطة أخرى، أتجول فى عربات قطار الحياة، أتطلع فى الوجوه، وأتذكر وجود أخرى.
أبحث عن أصدقاء بدأوا الرحلة معى فى أماكن عدة، هنا كان الشاعر عمر النجم يكتب قصائده، كان مكتبه فى هيئة الكتاب بجوار مكتبى، وذات يوم لملم أوراقه ورحل، هنا كنت أراجع مع الخال الأبنودى أولى طبعات كتبه المسموعة، وكنت دائمًا أداعبه بأن شعره المكتوب يختلف عن الشعر بصوته وإلقائه، وهنا كان د. سمير سرحان، يجلس يقدم ندوات معرض الكتاب، وأناقشه وأنا فى بدايات عملى، ويستمع، ويقتنع، ويشجع.
هنا جلست أمام الأستاذ عبد الفتاح الديب، لأتعلم منه كيف أكتب الخبر، وأضع أسئلة الحوار، وأعيد صياغة التقرير؟.. القطار الذى غادره عمر نجم، والأبنودى، ونجم، صعد إليه كثيرون بعد ذلك.. عربة القطار التى كان يجلس فيها الأستاذ الديب.. جلس فيها أصدقاء أعزاء ياسر رزق، والزرقانى، وعشرات آخرين، الكرسى الذى كان يجلس عليه سيد وهبى فى طنطا سلمه إلى سالم وسماح ليستكملا معى الرحلة.
قطار الحياة من القرية إلى المدينة إلى العاصمة إلى دول كثيرة، قطار الحياة من الدراسة إلى العمل من الصحافة إلى الثقافة إلى الإعلام، قطار الحياة فى مجالات عديدة، ساهم ركابه فى التشكيل الإنسانى من حليم لكاظم، ومن وديع لمحمد عبده، ومن أم كلثوم لأنغام.
تظل البدايات أيضًا محفورة فى الذاكرة لقائى الأول مع خالد توحيد فى أمانة الحزب الوطنى بالقاهرة، وفى مكتب د. عبد الأحد جمال الدين، أمين العاصمة فى ذلك الوقت، ود. نبيه العلقامى، أمين الشباب، أيضًا تزاملنا فى أمانة الشباب، وشاءت الأقدار أن تذكرنا بالبدايات لنلتقى مرة أخرى فى المجلس الأعلى للإعلام لشهور قليلة ليترك القطار مفاجآت لنا كعادته طوال رحلته، وتظل الذكريات هى الملجأ عندما يتفرق عنك الأصدقاء.
وعندما تتعدد محطات القطار تمتلئ حقيبة الذكريات فليس المهم طول رحلة القطار، فهناك من ركبوا قطار الحياة ولم يتوقف بهم سوى فى محطة واحدة منذ ركوبهم إياه رغم طول رحلتهم، وهناك من ركب القطار وتعددت محطاته، واختلفت أوقات إقامتهم فى محطاتهم.
رحلة قطار الحياة اختلفت فى كل محطاتها، اختلفت المشاهد والذكريات كبرت الأحلام، وامتلأنا رعبًا من الكوابيس، ضحكنا كثيرًا وبكينا أكثر.
ودَّعنا كثيرين واستقبلنا أكثر.. ومازال قطار الحياة يسير، ومازالت الأحلام تتوالى، ومازال الأمل فى تحقيقها ممكن.
رحلت عنى والدتى فاستقبلت حفيدتى، ودعت أصدقاء، وحضرت أفراح أبنائهم وبناتهم، تعلمت من أساتذة رحلوا، وبنفس القلم الذى تعلمت به كتبت عنهم.
تستمر الرحلة وأنظر من نافذة القطار، أرى أن الغد افضل، وأن الحلم ممكن، وأن الحياة بضجيجها وصخبها تنسيك أحيانًا صوت فرامل القطار أو صفارته، وهو يعلن عن قدومه لمحطة أو رحيله عنها.
يداعبنى هواء النافذة فى الصيف فأطلب أن أفتحها لأكبر ما يمكن، ويرهقنى ريح الشقاء فأغلقها، يسرع القطار فأتمنى بطء سرعته، ويتوقف فننسى طول وقوفه، ونتمنى أن يسير.
وما بين الحلم والانتظار يمضى قطار الحياة.