أحمد سليم
وظل القطار بالنسبة لى أفضل وسيلة مواصلات حتى نهاية التسعينات، وأذكر رحلاتى اليومية وأصدقاء لى عرفتهم من خلال أفضل وسيلة مواصلات حتى نهاية التسعينات.
قطار السادسة والنصف صباحًا وهو يحمل مئات الطلاب من مدن وقرى عديدة مُتجهًا إلى مدينة طنطا، ورغم أن محطتنا قبل الأخيرة، كنا نجد مكانًا داخل القطار باشتراك رمزى كطلبة، وكان قطار السابعة مساء فى سنوات لاحقة هو قطار العودة.
هل تذكرون ديوان القطار الذى يضم كبينتين متقابلتين من الإسفنج والجلد الرائع والباب الزجاجى.. مشهد رأيناه فى أفلام كثيرة، لكنه مشهد حقيقى لقطار ركاب بين طنطا والزقازيق لا يمر على العاصمة ويركبه العمال والطلبة، وكان منضبطًا فى مواعيده، وكنا فى القرية نضبط ساعتنا على وصول القطار.
عشت مع القطار ذكريات عديدة، وكنا نتشاجر مع طالب يحاول تمزيق مقعد للحصول على إسفنج الكرسى ليصنع منه كرة، كركاب نعتبر أن القطار ملك لنا نحافظ عليه، ولم أشاهد لمرات متعددة فأرًا أو حشرات تجرى فى القطار الذى يحمل تصنيف الدرجة الثالثة، وكان أيضًا من حظى أن حديقة منزلنا بالقرية كانت تطل على سكن العاملين بالسكك الحديدية، وكان يطلق عليه "الدريسة ".
كان العمال يبدأون يومهم مع صلاة الفجر، ويحملون معداتهم لمتابعة ربط صواميل "الفلنكات"، ويتابعهم مهندس يركب عربة يدفعها عمال ليتأكد من وجود عمال "الدريسة"، وإدارتهم لعملهم بشكل صحيح.
كان القطار هو وسيلة النقل الآمنة للمواطن والأثاث والحيوانات أحيانًا، وكنا إذا سمعنا عن حادث لقطار لا يزيد عن كونه اصطدامه لحيوان أو إنسان مر خطأ على القضبان، ولم يستطع سائق القطار إيقاف سرعته، وكان المخطئ دائمًا هو من حاول العبور، حتى وقع حادث قطار للبضائع اصطدم بأتوبيس للنقل الداخلى على مزلقان قريتنا، وفقدت والقرى المجاورة أكثر من 20 مواطنًا فى الحادث، الذى نتج عن نسيان عامل المزلقان إغلاقه فى الوقت المناسب أمام الاتوبيس.
ما زالت تفاصيل الحادث مرسومة فى ذهنى.. الضحايا والمصابين وشكل السيارة بعد الاصطدام وما تبقى منها وحكايات النسوة والأطفال عن أشباح الضحايا بعد الحوادث بعدة سنوات.
سنوات طويلة ظلت علاقتى بالقطار قوية.. كانت رحلاته سواء للعمل أو النزهة دائمًا ما تنتهى بصديق جديد أو زيارة لمكان جديد.
ومع انهيار مرفق السكك الحديدية انقطعت العلاقة، وظل الحلم يراودنى أن يعود القطار كما كان، وأن أسافر وأسرتى فى قطار نظيف، وأجلس فى كابينة مغلقة، ويأتى عامل البوفيه يسألنى ماذا أريد.. رحلة فى وسيلة انتقال نظيفة وأمنة تحولت إلى حلم وذكرى.
ورغم مأساوية حادث محطة مصر، إلا أن الحادث كشف شهامة المصريين، الذين سارعوا إلى المستشفيات للتبرع بالدم، واقتحم بعضهم النيران لإنقاذ الضحايا، وأيضا أظهر حالة بلادة ظهرت واضحة فى الحوار التلفزيونى مع سائق القطار، الذى بدا وكأنه سائق دراجة اصطدم برصيف شارع، وكُسرت كرتونة من البيض كان يحملها.
حالة الشهامة ليست جديدة على المصريين، منذ آلاف السنين، أما حالة البلادة فهى التى تستحق التفكير وبشكل مستمر وتمثل جرس إنذار، هذا السائق الذى يبتسم وهو أمام الكاميرات بشكل يبدو أنه أنجز مهمة ونجح فيها.. يبتسم وجثث الضحايا لم تُدفن بعد، وينفض يديه من الحادث، مُشيرًا إلى أنه لن يتحمله وحده.. هذه الحالة تستحق الدراسة والوقوف أمامها.
حادث القطار أعادنى إلى محطة مصر وباب الحديد ورصيف نمرة 5، ومشاهد عديدة لأفلام قديمة وحديثة، وأعمال درامية شهدتها المحطة، وأوقات كثيرة من العمر، وذكريات عديدة ارتبطت بها.
مشهد النصاب الذى ينتظر الصعيدى القادم ومعه أمواله لاستثمارها أو شراء شئ فى القاهرة.. القادم الذى يمتلئ شوقًا لأسرته، والقادم الذى يحمل الأمل فى فرصة عمل أو سكن، والمسافر باحثًا عن رزقه أو عائدًا لأهله.. قصص الحب واللقاء والفراق.. حكايات الأرصفة والباحثين عن رزق.. مشاهد عديدة سجلها يوسف شاهين وفريد شوقى وعشرات الفنانين.. تاريخ بدأ منذ نهاية القرن الثامن عشر.. محطة بدأت منها قاطرة ثانى سكة حديد فى العالم بعد الإنجليز.. محطة مصر تحولت فى لحظة إلى كتلة لهب بسبب إهمال شخص واحد.. المحطة التى تحولت منذ شهور قليلة إلى مكان رائع امتلأت بالنار والدخان بسبب الإهمال.
جرس الإنذار الذى دقته لنا محطة مصر يجب أن نسمعه جيدًا، والدرس ليس هينًا، ودماء الضحايا ودموع ذويهم لن تذهب سُدى، هكذا عرفنا الرئيس وهكذا نعلمه، سيحاسب ويواجه ويصلح .
قصص مؤلمة وراء الضحايا، وأفراح تأجلت وأحزان تجددت، ولكن ما زلنا نحلم بأن تعود وستعود محطة مصر كما كانت أبهى وأجمل.. القادم سيكون أفضل.. الضحايا فى ذمة الله ورحمته.. المصابون سيلقون العلاج وذويهم، وستظل دموعهم تذكرهم بما يحدث.. ومصر فى حماية الله .
احمد سليم