إيرينى ثابت
بعد عدة محاولات فاشلة، سكن الثعلب وفكر فى نفسه فوصل إلى النتائج التالية، أولاً أن العنب لم ينضج بدرجة كافية ولن يكون طعمه شهيًا، ثانيًا أن العنب ليس طعامه المفضل، ثالثًا وأخيرًا أنه أصلاً ليس جائعًا، ومضى الثعلب وقد اقتنع تمامًا بأنه لا يريد أكل حبات العنب!.
هذا هو أحد أنواع العقل الذى يخدع صاحبه، صحيح أن القصة التى يستخدمها علماء النفس هى قصة الثعلب والعنب، ولكنها مجرد إشارة بسيطة لما يحدث فى عالم العقل الإنسانى حينما يفشل فى الحصول على مراده، وهذه واحدة من عدة حالات تقوم فيها عقولنا بخداعنا، فنحن نقنع أنفسنا بأن ما نرجوه ليس حلمًا هامًا أو أننا لا نريد تحقيق هذا الحلم أصلًا، وذلك لأن عقلنا لا يريد أن يواجه الحقيقة ألا وهى أننا فشلنا فى تحقيق ذلك الإنجاز أو تلك الأمنية!.
تقول الدراسات الخاصة بالعقل الخادع أن أحد أكثر الحالات المنتشرة لخداع العقل هى حينما نلقى باللوم على الآخرين بدلاً من تحمل مسئولية تصرفاتنا، وتنتشر تلك الحالة عند الشخصيات التى تتسم بالغيرة الشديدة، فالرجل شديد الغيرة على زوجته يصور له عقله أنها هى التى تأتى بتصرفات تثير غيرته، كما تنتشر ظاهرة العقل الخادع اللوام عند أصحاب المخاوف الكبيرة، إذ يلومون آبائهم وأمهاتهم على ما يعانون من مخاوف، كالذى يخاف من الأماكن العالية فيقنعه عقله بأن والداه هما اللذان زرعا فيه ذلك الخوف!.
وتقوم عقولنا بخداعنا بأشكال وأنواع كثيرة منها تشويه ذاكرتنا فنتخيل ما لم يحدث ونؤكده لأنفسنا وكأنه قد حدث، ومنها أيضًا إقناع أنفسنا بصورة كاذبة عن شخص ما، فنتخيله إنسان رائع يستحق حبنا وتضحياتنا، وتبرر لنا عقولنا كل أخطائه ملتمسة له كل الأعذار، وفى مثل تلك الحالات لا تفلح معنا نصائح الآخرين ولا تستطيع عيوننا أن ترى إلا ما يمليه عليها ذلك العقل الخادع الذى قد يتحكم فى مصائرنا بتلك القناعات الزائفة والصور الكاذبة التى تجعلنا نعيش فيها.
ويفسر علماء النفس تلك الظواهر والحالات التى يترك فيها الإنسان عقله يخدعه بأنها طرق دفاع عن النفس وحماية النفسية الإنسانية من الانهيار، إذ عندما يخدعك عقلك بأنك لم تفشل، أو بأن أسباب مشكلتك ليست منك بل من الآخرين، أو بأن مَن أحببته يستحق محبتك فإنما يزيح عنك الشعور بالفشل أو بالضعف أو بالغباء!، عقلك إذن يخدعك حتى ما تؤمن بنفسك وحتى ما لا يصيبك داء الشعور بالفشل أو الشعور بالنقص، أو الشعور بالذنب!.
الإيجابية الوحيدة التى يصنعها العقل الخادع لصاحبه أنه يريح نفسيته، فالثعلب مضى دون أكل العنب ولكنه كان مقتنعًا وراضيًا ومتوافقًا مع نفسه، وأنت حين تلوم الآخرين، تبرئ نفسك، وحين تجمّل محبوبك، تتعبد فى محرابه دون شعور بالنقص، وحين تشوه صورة آمالك تتخلى عن تحقيقها دون شعور بالفشل، أليست هذه إيجابيات للعقل الخادع؟.
يبقى سؤال لن يعطيك أحد إجابته، بل تجيب عليه وحدك، أيهما تفضل أن تعيش مخدوعًا مرتاحًا؟ أم تواجه نفسك بالحقيقة وتعيش واعيًا مبصرًا متعبًا؟