البث المباشر الراديو 9090
أحمد سليم
خبر عاجل من سطور قليلة يعنى الكثير .. استشهاد ضابط أو جندى لا تهم الرتبة ولا الانتماء سواء كان لشرطى أو لجندى فى القوات المسلحة ..الخبر يظهر ويختفى على شاشات التلفزيون يأتى بعده بقليل تحديد لمكان الاستشهاد وتوقيته. 

قلوب المصريين تدعو للشهيد قبل الألسنة ويذهب كل لحال سبيله مقدرًا ما قدمه الشهيد من تضحية.. ولكن هناك قلوب تنتظر وتذوب هلعا وألما.. إنها قلوب أسر كل المنتمين لجهازى الشرطة أو القوات المسلحة فكلهم لا يعرفون على وجه التحديد أماكن وجود أبنائهم والتى يحرص ضباط كثيرون على عدم إخبار أمهاتهم أو زوجاتهم أنهم فى مناطق تحمل خطرًا على حياتهم.. 

المشهد المتكرر لمسافر فى رحلة أو إجازة أو عمل وداع وأمل على لقاء قريب وتوصية على الاهتمام بالصحة والوقت ودوام الاتصال.. هذا المشهد لن يتكرر كثيرًا فى وداع وأمل على لقاء قريب هذا المشهد لن يتكرر كثيرًا فى وداع أسر الأبطال فموعد العودة غير معلوم والطريق غالبا غير محدد ووسائل الاتصال لن تكون متاحة كثيرًا ولكن المشهد الأهم هو ثبات أبناء القوات المسلحة أو الشرطة أثناء الوداع.. اعرف كثيرين أقارب وأنسباء وجيران أشهد إننى لم أرٍ أى منهم فى لحظة وداع وقد امتلأت عيناه بدموع بل كانت يداه هى التى تجفف دمع أم أو أخت أو زوجة..

الخبر العاجل والمشهد المتكرر فى الوداع والخوف الدائم والإحساس بالقلق كل ذلك لا تتساوى معه كل ثروات العالم أو أى امتيازات تحصل عليها أسرة شهيد.. ولذا لا نستطيع إلا أن يقف الشعب كله احترامًا وإجلالا لأسرة الشهيد.. الأم التى أنجبت وحملت وربت وتألمت ومهدت وعلمت وعاشت حلم السنين أن يعود الضابط أو الجندى حاملا الأمل لعروسه وليحمل يوما أمه إلى الطبيب أو حتى إلى النهاية المحتومة... هذا الحلم الذى عاشت من أجله الأم يأتى ذات لحظة ليتحطم مع هجوم إرهابى يقابله دفاع بطولى للشهيد تكتب فيه نهاية حياة البطل لتستمر حياة الوطن.

حلم الأم لا يقبل عنه حلم الأب الذى اشتد ظهره واستند بولده وافتخر به فى مجالس العائلة وبحث له عن عروس تستحق لقب زوجـة البطل... الأب الذى ينتظر عودة البطل حاملا الحفيد مخلدًا اسمه ومانحه امتدادا جديدا فى الحياة.. هذا الأب البطل بملامح مصرية خالصة قوية صابرة ومثابرة رأيته فى جنازات الشهداء يمسك يد حفيده وكأنه يستند إلى أمل جديد يمنحه له البطل وكأنه يمسك بالامل مرة أخرى.. والحلم الجميل والنهاية القاسية لن تقل أبدا عن مشاعر زوجة أحبت وسافر حبيبها وهى تنتظره عائدا بابتسامة فتسرع لتفتح باب البيت له تحمل عنه حقيبة كى تترك الفرصة له ليعانق أولاده.. تسأله عن مدة إجازته وكيف سيقضيها.. هذه الزوجة وحلمها الجميل الذى لن يتحقق مرة أخرى لأن البطل عاد بدون حقيبة سفر.. عاد ملفوفا بعلم بلاده ولن يستطيع قضاء إجازة جديدة بل سوف يظل بجوارها الى نهاية الحياة. 

الخبر العاجل لن يخطف قلوب الأباء والأمهات والزوجات فقط بل يقتل قلوب أطفال لم تعلم بعد ألم الحياة بدون أب لن يأتى لها بالحلوى ولن يأتى له باللعب لن يذهب إلى المدرسة بصحبته ولن يعودا إلى الحديقة والنادى معه. 

الخبر العاجل يمر فى شريط الأخبار تعلن كلماته عن استشهاد بطل جديد وألم جديد وحياة جديدة مختلفة للكل.. البطل فى جنان الله يحمد الله على وعده ناظرا إلينا من عليين ها أنا قد قدمت حياتى لكم كى يعيش كل منكم حياته كما يريد.. أنا هنا حى أرزق وأنتم تلهون بعد فى حياتكم. 

الحياة تتغير مع الجميع الأب يذهب كل يوم إلى مدخل القرية لينظف صورة ابنه الشهيد الذى أطلق اسمه على الشارع أو القرية.. والأم تنزوى كل يوم وسط ذكرياتها تجفف دموعها حتى لا تراها زوجته وحتى لا يحس بها حفيدها.. والزوجة تذهب إلى مكانها المفضل تحكى معه وتشكو له وتنتظر منه زيارة فى أحلامها.. أما الأطفال فمازالوا ينتظرون دقات الباب يحلمون بعودة البطل.

ونحتفل بيوم الشهيد.. نذكر له ما قدم.. نحكى بطولاته.. ولكن الأهم أن نأخذ له بثأره من كل من دعم ومول وشارك وساهم فى خطفه من بيننا.. أن نعمل جميعا لنتابع كل إرهابى ونحاصره.. وأن نبتعد عن كل من يساهم أو يشارك فى دعمه.

أن نأخذ بثأره بتنفيذ كل حكم قضائى بعدالة ناجزة فيوم يعدم إرهابى سوف تستريح أرواح كثيرة قدمت حياتها فداء للوطن.. ويوم نقضى على أى كيان يدعم الإرهاب سوف يرتاح الشهيد فى مكانه.. نعم هو حى يرزق.. منعم فى الجنان ولكن ألمه وخوفه على وطنه الذى دفع حياته فداء له.. وحرصه على أبنائه وأسرته مؤكد أنه يدفعه إلى مطالبتنا بالثأر له والقضاء على الإرهاب.

غدًا يوم الشهيد الذى قدم الأغلى من أجل الوطن وعلينا اليوم أن نرد له القليل.. أن تبدأ كل مدرسة بتكريم أبناء الشهداء ولو بالمناداة عليهم فى طابور الصباح وتقديم التحية لأرواح آبائهم.. أن يذهب كل منا إلى أسرة شهيد يقضى معها اليوم.. يساعد الوالد أو الأم فى الذهاب لطبيب أو قضاء حاجة.. أن تمتد كل سيدة يد الحنان إلى زوجة كل شهيد.. اليوم يجب أن تحس أسر الشهداء أن حياة أبنائهم لم تذهب سدى وأن ما قدموه من حياة غالية يحس به الجميع.

اليوم.. يوم الشهيد وهو يوم عيد للشهداء فى السماء ويجب أن نجعله يوم عيد لأسرهم. 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز