أحمد سليم
وعندما اختار الرئيس أن يفتح ملف صحة الإنسان المصرى، كانت أمامه اختيارات عديدة، لكنه وبحكم رغبته فى الحسم اختار المواجهة فكانت حملة فيروس سى، والتى تحولت إلى تجربة مهمة فى حياة المصريين وأيضا قدوة لدول أخرى اتفقت عليها المنظمات الدولية والأهم أن الشعب اقتنع بها وأحس بأنها إنجاز حقيقى، وما زالت طوابير المواطنين أمام سيارات الحملة فى كل الأماكن، مصر تؤكد أن المواطن عندما أحس بجدية العمل وأنه لصالحه بالفعل سارع وشارك حرصا منه على صحته، وحرصا منه على نجاح الحملة من أجل وطن بلا وطن.
الحملة التى شملت حتى الآن أكثر من ثلث الشعب لم ترصد فقط مرضى فيروس سى أو تعالج المرضى به، بل امتدت إلى الكشف عن أمراض السكر والضغط وكشفت أيضا عن انتشار السمنة خاصة بين مراحل عمرية مختلفة امتدت إلى مرحلة الشباب وطلبة الجامعات.
نجاح المواجهة مع فيروس سى كان سببا أيضا فى البدء من الحملة ضد المخدرات وإذا كان فيروس سى يؤدى بالشباب والكبار من مرضاه إلى الوفاة أو البقاء فى المنزل دون صحة وقدرة على العمل فإن المخدرات يمتد أثرها إلى تغييب العقل وآثارها أيضا تمتد إلى ما يحدث فى المجتمع اليوم من جرائم غريبة على شعبنا وبعيدة عن قيمنا ولا يوجد محضر تحريات أو تحقيق لجريمة إلا وكانت المخدرات قاسما مشتركا فيه، فأغلب جرائم السرقات والرشوة السبب الرئيسى فيها هو البحث عن ثمن المخدرات وجرائم الاغتصاب أو زنا المحارم أو حتى القتل تكمن المخدرات كسبب أو دافع رئيسى ورائها.
المواجهة هذه المرة تصل إلى درجة الحرب فالخسائر بسببها كثيرة، مليارات الجنيهات تدفع سنويا لتجار المخدرات، ولا تقف آثار الخسائر عند الخسارة المادية فهناك خسائر أخطر وهى البشر فعندما يتم التحليل لسائق القطار المتسبب فى الحادث الأخير يتم الكشف عن تعاطيه لمخدر الأستروكس، وعندما تبدأ وزارة الصحة والتضامن الاجتماعى ممثلة فى صندوق مكافحة الإدمان حملة للكشف على سائقى المدارس تأتى الأرقام الصادمة، وهنا أيضا يكمن الخطر فأرواح أطفالنا من طلبة المدارس أصبحت بحوزة مدمنين لا يعرفون الفرق فى الطريق بين السيارة والقطار وعندما بدأت المواجهة الحقيقية وصدرت القرارات والقوانين وتأكد متعاطو المخدرات والمدمنين من أن المواجهة هذه المرة حقيقية كانت الأرقام المفاجئة التى أعلنها الدكتور عمر عثمان، مساعد وزيرة التضامن، والمدير التنفيذى لصندوق مكافحة الإدمان، ومنها أن 74 % من المدمنين من متعاطى الحشيش، ويأتى الترامادول والهيروين فى المرتبة الثانية والثالثة والأخطر هو المراحل العمرية، فترتفع النسبة فى المرحلة العمرية من 21 عاما إلى 30 وهى سن العمل والإنتاج.
تشير الأرقام أيضا إلى ظهور الإناث كطالبات للعلاج من الإدمان وتصل نسبتهن إلى 17% مقابل 83% من المتقدمين للعلاج من الذكور.
ظهور الحشيش بنسبة كبيرة بين المدمنين يؤكد أنه مخدر قوى ومنتشر، وأنه يؤدى للإدمان عكس ما يروج له متعاطوه، خاصة بين الشباب فى الريف، المهم المواجهة اليوم يجب أن يشارك فيها كل المصريين بدءا من الأسرة التى تتحمل العبء الأكبر فى المواجهة، وتدفع الثمن الأكبر لإدمان أحد افرادها ويقع العبء هنا على الأب والأم والمطلوب منها هو ملاحظة أى تغير يطرأ على سلوك أبنائهم بدءا من إهمال المدمن لملابسه وتصرفاته إلى اختفاء أشياء ثمينة من المنزل، وانتهاء بالانهيار الصحى والسهر الدائم أو النوم الدائم، وهنا يجب أن لا يقف دور الأسرة عند النصح أو الترهيب ولكن المطلوب هو مواجهة سريعة باللجوء إلى العلاج المخصص.
دور مهم لأجهزة التوعية الدينية والتعليمية والتثقيفية فلدينا آلاف المساجد والكنائس ومراكز الشباب والجامعات والمدارس وقصور وبيوت الثقافة, كل هذه المنابر والمراكز يجب أن تبدأ حملة متزامنة تبين خطر المخدرات وبشكل توعوى وبطريقة تصل إلى قلوب الشباب وليس بالترهيب وإبراز النتائج السلبية فقط، بل أيضا بالترغيب وبيان طرق العلاج والخروج من أزمة الإدمان، بالإضافة إلى ضرورة البدء فى حملات إعلامية على الشاشات وعبر الميكرفونات والصحف والمواقع الإلكترونية والمنصات جميعها، عندما تتضافر كل الجهود فى الحملة من توعية وإعلام وأسرة ومسجد وكنيسة ومدرسة وجامعة وفتح لمراكز الشباب والأندية للشباب، يأتى مع ذلك دور وزارة الداخلية الهام فى المواجهة وهى لم ولن تقف مكتوفة الأيدى أمام تجار المخدرات ولا يمر وقت إلا و سيشهد أحد أبنائها فى المواجهة مع تجار المخدرات ومع دعم القوات المسلحة من خلال قوات حرس الحدود التى تحمل عبء إغلاق المنافذ الخارجية للدولة إمام المهربين يأتى بعد تمنع انتشار المخدر وتعالج المتعاطى وتدفعه إلى التعافى.
المواجهة قوية وستنجح الدولة فيها، والرئيس يتابع والكل سيعمل لإنجاحها، وليكن لكل مصرى دور فى المواجهة بالتوعية أو بالمساعدة أو بالإبلاغ عن تجار المخدرات أو بالتطوع للعلاج.. مستقبل مصر أن تكون دولة بلا مخدرات.. عقل واع وجسم سليم يستطيعان بناء وطن قوى وناجح ومتقدم.