البث المباشر الراديو 9090
إيرينى ثابت
"لا تستكبر بل خَف" هى من نصوص العهد الجديد فى الكتاب المقدس، ولكننا نتناولها هنا بعيدًا عن مفهومها الدينى، بل بمفهوم اجتماعى خالص.

كنا نبحث عن رقمى مقعدينا فى القطار أنا وابنتى الشابة الصغيرة، وإذا برجل غريب المظهر غالبًا ثلاثينى، وقد حلق شعر رأسه ويتدلى من أذنه حلق صغير وملابسه ذات ألوان زاهية وغير مهندمة على الاطلاق، وكأن ذلك عن عمد، جاء مُسرعًا فى الممر بين مقاعد القطار فى الاتجاه المقابل لنا، وقال بصوت عالٍ يكاد يكون صراخًا لأبنتى أن تبعد عن طريقه بكلمات فجة جدًا، وقبل أن تلتفت لترى وجهه كان قد صرخ فى وجهى أنا أيضًا، حتى نختفى من أمامه ليعبر هو، مُستخدمًا لغة متدنية للغاية.

فوجئت ابنتى أننى انتحيت جانبًا لأترك له كل الممر ليعبر دون أن أنطق بحرف واحد.. وهمت هى أن ترد عليه، وعلى صفاقة لسانه فأشرت لها بيدى وعينى أن إياكِ أن تنطقى.. ولما تأكدت من أنه ابتعد قلت لها إنه إنسان فاقد العقل، أو ما نطلق عليه بالعامية "مجنون"، وكانت السيدة الجالسة بجانبنا قد شهدت الموقف كله، وأشارت لابنتى فى نفس اللحظة ألا تنطق لأنه مجنون.

كان الرجل المجنون عدائيًا بشكل ملحوظ، ولم تكن الشجاعة هى الاختيار الصحيح فى تلك الحالة.. بل اقتضت الحكمة أن نصمت تمامًا لعله يبتعد عنا.. ولما جلسنا وانطلق القطار، وهو من أفضل أوقات التأمل والتفكير والتحليل، استرجعت ذلك النص الإنجيلى الذى ينطبق لا على تلك الحالة فقط بل على كثير من المواقف التى تعبر فى حياتنا، ونعبرها إما بتهور واستكبار قد لا تحمد عقباه، أو بخوف محمود وحكيم.

قالوا قديمًا أن "الجبن سيد الأخلاق".. وهى مقولة مرفوضة لأن سيد الأخلاق كما قال أرسطو هو التصرف الحكيم، واتباع الفضيلة التى يقوم الفيلسوف بتعريفها على أنها التوسط بين رذيلتين، كما جاءت الترجمة العربية لفلسفة الرجل، والحقيقة أن الموقف هو الذى يحدد طبيعة التصرف السليم، ويرشدك نظام الحماية الذاتية الذى بداخلك لما يجب أن تفعله فى كل موقف.. تمامًا كما اخترت الصمت أمام رجل غير متزن وغير مسؤول عن تصرفاته حماية لى وأبنتى.

لكننى أرى أن الاستكبار وتحدى الخوف، حتى لو كان خوفًا صحيًا، قد يؤدى بالبعض إلى الهلاك، وأرى أن قبول تحديات الشجاعة ومحاولة إثبات جرأتك وإقدامك أمام الآخرين قد يكون خطيرًا ومُهلكًا، وتبعاته خطيرة فى عدد من المواقف، منها مثلًا حين يكون التحدى عبارة عن مخاطرة لا لزوم لها ولا عائد منها كأن يسابقك أحدهم على الطريق ليثبت لك أن سيارته أفضل أو أنه أشجع وأجرأ وأقدر على السباق، وتنساق أنت لتثبت له أنك أنت الأشجع!! ولك أن تتخيل التبعات!!

قد يكون أيضًا من الأفضل لك أن تتبع الخوف لا الاستكبار حين يتعلق الأمر بسمعتك أو سمعة ذويك.. لا تقبل على تحديات أو صداقات أو أماكن قد تجلب لك ولذويك ضررًا لا لزوم له، ويتعلق بصورتك وصورتهم فى المجتمع، خصوصًا إذا لم تكن هناك ضرورة ملحة لمثل تلك العلاقات أو ارتياد تلك الأماكن، حينئذ لا تقل لنفسك "أنا مش بأعمل حاجة غلط.. خلى كل واحد يظن ما يظنه!!" بل قل لنفسك "لا تستكبر، بل خَف!!".

لا تستكبر أيضًا بثقتك فى نفسك ولا فى قدراتك.. فكم من أناس حملوا أثقالًا تفوق قدراتهم فتأذت ظهورهم وأياديهم، وكم من أناس ظنوا أنهم يستطيعون حمل الأثقال النفسية لآخرين فانتهى الأمر بأنهم صاروا مرضى نفسيين، بل وبعضهم أقدم على الانتحار.. ألم يكن الأجدى بهم أن يخافوا خوفًا صحيًا واقعيًا فى تلك الحالة.

ابتعد الرجل غير الطبيعى.. وضيق أبنتى المؤقت من ألفاظه وعدم ردنا عليه أخذ بعض الوقت ولكنه انتهى.. وسار القطار وأكملنا الرحلة تمامًا كما نعبر برحلة الحياة على محطات ووقفات ليست جيدة.. نبلع غصة قد تنتقص قليلًا من كبريائنا فى مقابل السلامة الشخصية جسديًا ونفسيًا وأيضًا روحيًا.. فمن الجيد أن تخاف أرواحنا قليلًا وتتضع أيضًا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز