أحمد سليم
جيل كانت أيامه تبدأ من ساعات الفجر مع أذان وابتهالات للنقشبندى، ويبدأ يومه مع إذاعة الشرق الأوسط وقراءة محمد رفعت ويذهب إلى عمله وهو يستمع إلى كلمتين وبس ويختم يومه على القرآن الكريم بصوت عبد الباسط ونشرة الثامنة والنصف وعندما تقدم به العمر أصبحت نشرة التاسعة من التلفزيون المصرى ثم أغنية أم كلثوم آخر عهده باليوم.
هذا الجيل هو الذى عاش وداع حليم وأم كلثوم ومازالت مشاهد وداعهما التاريخى تؤكد أننا كنا نمتلك قوى ناعمة مهمة ومازالت مشاركات العرب جميعا يومها تؤكد ذلك.
أذكر يوم وفاة حليم ونحن فى طريقنا إلى جامعة الزقازيق وفى قطار الصباح المبكر تبكى الطالبات ويصمت الشباب ونصل إلى مدينة الزقازيق التى اتسخت فى لحظات بالسواد كان صوت القرآن وأغانى حليم يملأن شوارع المدينة التى شهد أحد أحيائها صبا عبد الحليم يتيما.
مازلت أذكر فتاة صغيرة كانت تبيع اللب فى القطار وهى ترتدى الأسود حدادًا أربعين يوما على وفاة عبد الحليم، وتمر سنوات ويرحل أحمد زكى بعد فيلم مثل فيه دور حليم وفى نفس الشهر وكأن كلاهما رغم أنهما لم يلتقيا فى جيل فنى واحد إلا أن الزمن جمع بينهما فى النجاح والمعاناة والألم والمرض وفى حب الجماهير لهما، مشاهد وداع حليم وأم كلثوم وأحمد زكى وجيل كامل من المبدعين المصريين ينكأ جرح فقدان القوى الناعمة المصرية فى المنطقة كنا دولة التلاوة والطرب.
كانت زيارات عبد الباسط والحصرى وإسماعيل والمنشاوى والطبلاوى إلى البلدان العربية والإفريقية والأسيوية والجاليات الإسلامية فى أوربا هى ليالى عيد لتلك الأماكن وكان احترام الرؤساء والملوك لرسل الفن والتلاوة رائعا ومرت السنوات وكدنا أن نفقد عرش التلاوة وأصبحنا نعيش على ذكرى أرقام توزيع أسطوانات ذلك الجيل الذهبى من القراء والمبتهلين وتوقف الإبداع أو هكذا تخيل البعض أن الإبداع فى مصر قد توقف فدفعوا باصوات من دول أخرى وسخروا لها كل وسائل الرعاية وطريق التوزيع واليات الشهرة نجحوا فى ذلك ولكنهم لم ينجحوا فى محوصورة وصوت الجيل الذهبى المصرى من القراء.
ولأننى من القرية ومن جيل يهوى السماع ويحرص على حضور ليالى قرآنية أو موالد لأولياء الله الصالحين فقد هالنى هذا الكم الكبير والمبدع من القراء والمبتهلين الشباب فى ربوع مصر من صعيدها لشمالها، القضية إذن ليست قضية اختفاء المبدعين ولكن القضية هى اكتشاف المبدعين وإعادة تقديمهم بالصورة اللائقة التى تضمن لهم منافسة شريفة.
جيلنا الذى تربى على أغانى حليم واستمر فى السماع حتى منير ودياب أيضا تابع أزمة اختفاء النجم المصرى من المقدمة تزامن مع ذلك ظهور أصوات ضعيفة تعرف جيدا كيف تديرحنجرتها وتنمى من إمكانياتها وقبل أن تغنى تختار مدير أعمال جيد يعرف كيف يسوق ويخاطب الجماهير بآليات وطرق حديثة وصنعت ماكينة الدعاية والسوشيال ميديا أصوات وملكات وإمبراطوريات من المغنيين لا تعد أصواتهم شيئا أمام إمكانيات وأصوات مطربين مصريين لم يجيدوا كيف يطورون مهاراتهم ويحافظون على أصواتهم.
وما حدث فى الغناء وتلاوة القرآن والإنشاد الدينى والدراما والتلفزيون والكتاب وما يحدث حاليا من فقدان مصر لقوتها الناعمة ليس من فقدان لمصادر الإبداع ولكنه فقط لإدارة جيدة تتعامل مع قوانا الناعمة فقد تابعت على مدار أسابيع مسابقات إبداع التى تنظمها وزارة الشباب بالاشتراك مع التلفزيون المصرى ورأيت واستمعت واستمتعت بآداء لأصوات شابة لا تحتاج إلا لتدريب بسيط والدفع بها إلى سوق الغناء أو الإنشاد أو التلاوة أو فى أى مجال من الفنون وما يحدث فى هذه المسابقة المهمة على مدار دورات ست من قبل 2011 يجب أن نتوقف عنده فالدور هنا ليس فقط هو الاكتشاف ولكن الدور هو كيفية إدارة هذا الاكتشاف لدينا مبدعون عندهم من الامكانيات ما يغير خريطة القوى الناعمة ويعيد التأثير والمكانة مرة أخرى لمصر ولكنها لا تكمل الطريق وأمام الصديق العزيز أشرف صبحى، وزير الشباب، فرصة أرجو ألا تضيع أن يتبنى هؤلاء الشباب من طلبة الجامعات وأن تساهم جامعاتهم ومحافظاتهم فى تبنى حملة للدفع بهم إلى مصاف النجوم.
وزارة الشباب تستطيع وأن تشارك معها وزارة الأوقاف ورجال الأعمال فى تبنى المبدعين وأن توضع لهم خطة أو تنشأ هيئة لرعاية المبدعين وأن يخصص بعد ذلك جزء من دخل النجوم عبر عقود مع الهيئة للصرف على آخرين.
أدعو المؤسسات المدنية لرعاية نجم أو مطرب أو مبتهل من الشباب، قرانا تمتلئ بالمبدعين والنجوم الصغار فى كل المجالات والاهتمام يجب ألا يكون قاصرًا على المتفوقين فما حققه محمد صلاح لمصر ومن قبله عمر الشريف ومن قبلهم قراء القرآن الكريم والمبتهلين ومعهم أم كلثوم وحليم وآخرين مما حققه هؤلاء لمصر من مكانة فى كل دول العالم كان كثيرا وكثير جدا.
كيف نعيد الريادة لمصر وكيف نستعيد قوتنا الناعمة سؤال مهم يجب أن نتشارك جميعا فى وضع إجابات له ويجب أن تستجيب الأجهزة الحكومية لدعم هذه الإجابات ووضعها موضع التنفيذ ويجب أن تنتبه الشركات الكبرى ورجال الأعمال إلى أن مساهمتهم فى رعاية هؤلاء المبدعين هو إضافة إلى نجاحهم فى مجالاتهم وأن كل نجم يرفع اسم مصر فى حفل دولى سيلحق به منتج مصرى وسيكون خير دعاية له.
حافظوا على ما نمتلك من ثروة بشرية مبدعة نخلق منها قوة ناعمة مؤثرة لتكمل ما تبنيه مصر ورئيسها حاليا فى كل المجالات، لاعب الكرة المصرى الذى تتابعه الجماهير فى العالم هو أكبر دعاية لمصر، النجم المصرى أو المطرب المصرى الذى تستمع إليه الجماهير وتسعى لحفلاته خارج مصر يحمل اسم مصر، القارئ والمبتهل الذى يخشع مع تلاوته المسلمين فى العالم أفضل صورة لمصر وإسلامها، أمامنا الفرصة لنصنع صورة مصر الجديدة أمام العالم من قوتنا الناعمة.