إيرينى ثابت
كان بطل الفيلم يحتفل وزوجته وأصدقائهما بعيد الزواج الأربعين حين عبر الرجل عن محبة زوجته له لا بالمقدار بل بنوعية هذه المحبة التى تناسب ظروفه وحياته، بل وشخصيته.. وأمام الشاشة وعلى الأريكة المريحة فى حجرة المعيشة، كرر هو كلمات البطل باللغة الانجليزية كما قيلت ونظر لها باسما وكأنما وجد ضالته فى كلمات البطل.
أما هى فقد مر فى عقلها شريط طويل من رحلة عمر تجاوزت فيها أكثر من نصف عمرها معه.. نعم فقد صارت سنوات زواجها أكثر قليلا من سنوات طفولتها وشبابها التى قضتها فى بيت أبيها.. وصارت، ولدهشتها، أقرب إليه من قربها لإخوتها وصلة دمها.. وجعلها أما وجعلته أبا.. وعبرا رحلة حياة مشتركة لم يتذمرا فيها أبدا من بعضهما البعض..
أو بالأحرى فلنقل أنها هى كانت تعلم فى قرارة نفسها أن زوجها هذا هو أفضل عطايا الله لها على الإطلاق.. ربما أحبته فعلا كما عبر لها هو الآن بنوعية المحبة اللازمة لحياته وظروفه لذلك السبب.. لأنها كانت تحمد الله على وجوده فى حياتها وتدعو له بطول العمر كل يوم..
فكرت هى أيضا فى "نوعية الحب)ط" التى أحبها هو بها وكيف أنها تناسب حياتها وعملها وانطلاقها وأفكارها وعقلها الذى لم يرفضه قط، وتقدمها الذى كان هو ونوعية حبه أحد أكبر عوامل وجوده.. فلم يكن لها كزوجة فى بلد شرقى بثقافة شرقية أن تنجح وتتقدم وتنجز، ما لم تكن نوعية محبته لها محبة واسعة الأفق قادرة على لا مجرد استيعاب نجاحها بل والترحيب بهذا النجاح..
تذكرت أن فى كل انكسار لها، وفى كل فترة يأس أو إحباط كانت حبه هو فقط الذى يختصر فترة احباطها ويقلب أى انكسار إلى انتصار.. كان هو المشجع الأول والأكبر لها ليس بتلك الطريقة الطفولية التى لا تطيقها، بل بإيمانه الحقيقى الداخلى بقدراتها والذى لم تجد محبته لها صعوبة فى التعبير عنه.. بل كانت ثقته فيها تتحول بسرعة صاروخية إلى إستعادتها لثقتها فى نفسها وشعورها المفاجئ بشعور المريض الذى تعافى فى لحظة واحدة بحدوث معجزة ما..
كانت تؤمن أن لغات الحب أكثر بكثير مما يصنفه علماء النفس والاجتماع.. مئات؟ آلاف؟ عشرات مئات الألوف؟ كلا بل ملايين وملايين بعدد علاقات الحب الناجحة على سطح كوكب البشر.. إذ أن لكل واحد منا لغة حب يريدها ويستمتع بها تختلف كبصمة إبهامه عن كل البشر.. فإذا جاءها من يستطيع ترجمة لغتها فيمنحها تلك النوعية من المحبة، وتفهم هى لغته وتمنحه نوعية الحب الذى يحتاجه، ستكون من المحظوظين..
نظرت إلى وجهه مرة أخرى، وتفحصت ملامحه التى تحبها بتفاصيلها جميعا، وقالت فى نفسها أن نعم هى بالفعل من المحظوظين!!
كانت ذات رؤية لا بأس بها فى قراءة أفكاره.. ولما اتجهت إلى وجهه، بدأت تستبصر لتستشف ما قد دار بعقله عندما كرر جملة البطل.. كانت تبحث عن إجابة تساؤلاتها.. هل فكر هو مثلما فكرت؟ أم كانت له رؤية مختلفة فى (نوعية حبها) له؟ ترى هل عاد للوراء بذاكرته ووقف عند موقف معين؟ أى صفة هى الأكبر والأهم بالنسبة له فى نوعية محبتها؟
وقبل أن تبدأ هوايتها لقراءة إجابات تساؤلاتها، علا صوت الموسيقى فى التليفزيون فاستدارت بحركة عفوية نحو الشاشة لتقرأ تتر نهاية الفيلم!! فيتشاركان فى ضحكات طويلة على شرودهما دون أن يسأل أحدهما الآخر عما حدث فى بقية الفيلم.. إذ أنهما كلاهما لم يشاهدا سوى فيلمهما هما.