إيرينى ثابت
اليوم هو العاشر من أبريل عام 2019، وهو اليوم التاريخى الذى قال أحد علماء الفلك، أو الفيزياء، أو كليهما – هو لا يعرف بالضبط – أنه سيكون اليوم الفارق بين مرحلتى التاريخ العالمى، كان يوما شاقا ثقلت فيه الحياة على كاهل صاحبنا، عمل مرهق والتعامل مع البشر صعب، مواصلات القاهرة المزدحمة وشوارعها التى تكاد تنفجر، لم يتعجل قدوم الصيف كغيره ممن ضاقوا بالشتاء الذى كان باردا ممطرا هذا العام، ذلك لأنه يعلم جيدا معنى الصيف القاهرى وحرارة الجو التى تسبب له ضيق الخلق كما نقول بتعبيرنا العامى.
انتهى من عمله وخرج إلى الشارع وقت حر ما بعد الظهيرة وبدأ جبينه فى التقطيب اللا إرادى بسبب انتشار الروائح التى يعتقد أنها أسوأ بلايا الصيف، كانت كل أفكاره تدور حول الزمان والمكان، قيود الزمن والفصول وما تفرضه علينا من نوع الملابس وكمّ النور والظلمة، والأسوأ من هذا: عدد السنوات التى تفر من أعمارنا وليس لدينا ما نفعله حيالها، ثم قيود المكان التى تفرض علينا السير بخطوات متعبة للخروج إلى الشارع ثم ركوب السيارة والخضوع لازدحام الطرق والانتظار فى الإشارات ومن دون إشارات إلى آخر ذلك من تعذيب الزمان والمكان.
ألا توجد طريقة نوقف بها قوانين الزمان فنظل فى فصل الشتاء؟ أو نظل فى عمر ما بين العشرين والثلاثين فلا نشيخ؟ ألا توجد طريقة غير الأحلام تجعلنا نطير فوق الازدحام؟
ركب سيارته التى ركنها منذ الصباح الباكر فصارت الآن ملتهبة قائظة، سار قليلا.. ثم ضغط على زرار الراديو فوجد برنامجا أو نشرة اخبارية لا يعرف مصدرها، استمع لذلك الخبر الغريب.. "اليوم هو يوم تاريخى، لقد قام العلماء فى أوروبا، بمساعدة ثمانية تلسكوبات عملاقة حول العالم، بتصوير ثقب أسود كبير جدا لأول مرة فى تاريخ البشرية، أنه أول إثبات على حقيقة نظرية أينشتاين، ستتغير قوانين الزمان والمكان، سوف لن يصبح الوجود محدودا بعالمنا وقوانينه، الآن فقط يمكن أن نقول أنه قد يكون هناك عالما موازيا لعالمنا لا يخضع لقوانين الفيزياء ولا الأرقام التى نعرفها، سنوافيكم بتفاصيل أكثر بعد الفاصل الإعلانى".
فتح صاحبنا عينيه فانفرد جبينه المقطب وعلا حاجباه الخفيفان وكادا أن يختفيان إذ صارت عيناه أكبر مما يحتمل وجهه الصغير، هل هذا معقول؟ هل تحقق حلمه؟ هل ستتلاشى قيود الزمان والمكان وقوانين الجاذبية السخيفة التى لم يحبها أبدا فى سنوات الدراسة، تلك القوانين الفيزيائية التى كان يجد صعوبة بالغة فى دراستها! ولكنه يريد أن يفهم أكثر عن تلك البقعة السوداء، ماذا قال الرجل؟ لا! لقد قال الثقب الأسود.. نعم ثقب.. أى منفذ أو باب أو خندق يذهب بنا إلى ذلك العالم الموازى حيث لا زمن ولا حدود مكانية.. عجيب.. عجيب!
عاد صوت المذيع: "الآن نتابع معكم معلوماتنا عن الثقب الأسود الذى تم تصويره اليوم.. يبلغ اتساع الثقب ما يوازى ثلاثة ملايين حجم الأرض، أى أنه من الممكن أن يبتلع نظامنا الشمسى بأكمله بمنتهى السهولة، يقول عنه العلماء أنه الوحش، ونقلا عن بى بى سى فإن الثقب يظهر فى الصور كـ"حلقة نار" ملتهبة، تحيط بفتحة مظلمة دائرية.
ويبدو الضوء الصادر عنه أكثر إشراقا من جميع مليارات النجوم الأخرى فى المجرة مجتمعة، ولذا يمكن رؤيته من مسافة بعيدة من الأرض، ويدخل الغاز إلى الثقب الأسود عن طريق حافة الحلقة المظلمة فى المركز، ويرتفع فيه معدل الجاذبية بشكل كبير، حيث لا يمكن حتى للضوء أن يهرب".
قال فى نفسه: حتى الضوء لن يهرب من تلك البوابة العجيبة التى تفضى إلى العالم الآخر.. أهو عالم الفناء أم عالم البقاء؟ أيمكن أن تكون تلك الحلقة من النار التى تحيط بالبوابة هى نار المطهر الذى سينقى الداخلين ويذهب عنهم كل الشوائب العالقة بهم من عالمنا هذا؟ وكيف يقولون أن الفتحة مظلمة؟ قطعا ذلك العالم الآخر هو العالم المنير دائما الذى لا تسكن فيه ظلمة البتة.. لماذا لم يذكروا بُعد الثقب عنا؟ ربما ذكروه ولم أنتبه.. هل هو قريب؟ سأستمع ثانية.
ولكن الموبايل يرن.. يووووه هل هذا وقته؟ ألو.. فى الطريق.. قربت أوصل البيت بس هأدور على مكان أركن فيه.. حاضر.. فاكهة؟ طيب.. حاجة تانى؟ الولاد رجعوا من المدرسة؟ حاضر مش هتأخر.. الله يسلِمك!