البث المباشر الراديو 9090
أحمد سليم
كبرنا وتقدم العمر وسابقنا الأحلام والأمنيات لتحقيقها، مرت محطات العمر من القرية للمدينة ومن الدراسة إلى العمل، قطار العمر يسرع يحمل عبر محطاته الكثير من المفاجآت لعل أجملها عندما يتوقف ليضم ضيفا جديدا، حفيدا أو حفيدة أو زوج لابنة أو زوجة لابن.

منذ سنوات عديدة عندما جئت إلى القاهرة كانت الحياة هادئة لم تكن بهذا الصخب، وعندما تزوجت وأنجبت طفلى الأول كنت أتعجب من تمنيات البعض أن أحيا وأعيش لحظات فرحة زواجه، كانت أمنيات كنت لا أتخيل سرعة الزمن لتحقيق ذلك وها هى السنوات تمر عاما بعد آخر، ويسرع قطار الحياة لأصل إلى مرحلة أن أقف لا تلقى التهانى فى حفل زفاف الابن، أتخيل صورته فى حجر جده وعلى كتف أمه، أعود إلى زمان بعيد مع أول أيام ذهابه إلى مدرسته ثم إلى جامعته وأحلام كثيرة تكبر وأخرى تتراجع، أحلام كان تحقيقها يبدو صعبا، أتذكر أصدقاء طفولته وأتامل بعضهم اليوم وهم يديرون حياتهم ويشاركون فى بناء وطنهم، هذا الصغير سيصبح أبا ربما بعد شهور وينقل الأب إلى خانة الجد.

أتذكر وأنا أتطلع فى وجوه أصدقائى عندما كنا نعيش لحظات الفرح تلك معا لم نكن نتخيل أن تسرع بنا الحياة إلى هذه المحطة بهذه العجلة، أصبحنا جدودا يا أبو حميد، يداعبنى صديق وهو يحمل حفيده، ونجلس لنحكى ذكريات جيل الحياة سرقت أيامه وربما أيضا الكثير من أحلامه، هذا الجيل الذى عاش تطورات غريبة هو الذى ذاكر دروسه فى القرية على لمبة الجاز وكلوب الإضاءة، وأقام الأفراح حين وصل التيار الكهربائى لقريته وكان، يجلس مسحورا أمام المسلسلات التليفزيونية أيام كنا ننتج مسلسلات، ويستمع مبهورا إلى سلاطين الطرب والتلاوة أيام كان لمصر اليد الطولى فى كل مجالات الإبداع.

هذا الجيل الذى عاش ألم نكسة يونيو، وأفراح انتصارات أكتوبر، عاش أيام كان بالقرية تليفون واحد هو تليفون العمدة وكانت سعادته بالغة يوم أن زار حديقة الحيوان أو سمح له بدخول مبنى التليفزيون فى رحلة مدرسية، جيل مر بمراحل عديدة من التطور.

أنظر إلى أحفادى وهم يتعاملون مع أجهزة الآيباد والتليفون المحمول، وأعود عشرات السنين إلى الخلف، من كان منا أو من أجيالنا يتخيل أن يحيا وهو لا يملك إلا لعبة بلاستيكية أو لعبة صنعها من خامات بيئته أن يصل بنا العمر لنرى أحفادنا يستخدمون الأجهزة والألعاب الإلكترونية.

كنا نحلم برحلة إلى الإسكندرية وجاء أبناؤنا ليختاروا بين شرم الشيخ والغردقة وصولا إلى بيروت وعواصم أخرى فى دول متعددة، أقلب فى قائمة أثاث عروس بقريتنا فأجد ضمن القائمة جهاز كمبيوتر ومحمول وشاشات تليفزيونية وأجهزة عديدة، وأتذكر قائمة لعروس وجدتها ضمن محفوظات لأمى رحمها الله كانت تتضمن حصيرة من القش وصندوقا خشبيا، وأتأمل فى صفحات مجلات زمان والعروس فى الهودج وأرى عروس اليوم فى سيارات حديثة يقودها سائق محترف وتحتوى على صالونات، عروس الأمس البعيد وعروس اليوم كلاهما عاشتا لحظات سعادة من المؤكد وإن اختلفت كل المظاهر، أتذكر فى قريتنا حفل ليلة حنة العريس وكذا العروس وموكب الحنة وصوانى الطعام، أذكر ليلة الفرح والراقصة "الغازية" تتقمص سهير زكى أو سامية جمال، جيلنا من أبناء الخمسينات أو بدايات الستينات عاش هذه الأفراح وقدر لنا الله أن نعيش حتى نرى أفراح تتكلف الملايين.

يداعبنى صديق يذكرنى بأننا كبرنا وآن لنا أن نجلس لنتذكر ونحكى، يعارضه آخر بأنه تمت سرقة عمرنا ويجب أن نعيش ما تبقى منه لنعوض ما فات، وما بين حوارات ولقاءات تمضى لحظات الفرح لأنظر إلى العريس المغادر إلى محطة جديدة وأعود لأتخيل المنزل بدونه كما غادرتنى شقيقته قبل ذلك يبدو أن الحياة تسير بنا إلى محطة جديدة نعود فيها كما بدأنا حياتنا، اثنان يسكنان المنزل ويحلمان بزائر جديد وآخر وأخرى لتمر بنا الحياة فيكبر الزوار ويستقلون بمنازلهم ويعود الأب والأم مرة أخرى اثنين فقط، ولكن يبقى الحلم أن يأتى زائر جديد يحمله الأبناء لتبدأ معه حياة جديدة غالبا أجمل وأمتع وهكذا تسير الحياة جيل يغادر وجيل يبنى وجيل يسكن، جيل يحلم وجيل آخر يحقق الحلم، حياة تستمر، أمسك بيدى حفيدىَّ متشبسا بهما لابدأ معهما رحلة جديدة فى قطار الحياة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز