البث المباشر الراديو 9090
أحمد سليم
اعتدت منذ عودتى من الحج أن يكون آخر شىء أراه هو الكعبة، وأن تكون أيضا أول ما أراه، وصارت عادة لا أستطيع أن أنام دونها، ولا أستطيع بدء يومى دون أن أراها.

لم أكن يوما أتخيل هذه العلاقة مع مكان هو الأقدس، نعم.. إنه بيت الله الحرام، ومع تباعد اللقاء مع الزيارة يظل لقائى الأول مع بيت الله الحرام والرؤية الأولى للكعبة فاصلا فى حياتى كنا فى بداية عام 2003 وذهبت إلى مكة مدعوًا من الجمعية العلمية للإعجاز القرآنى والسنة وفى الطريق إلى بيت الله الحرام، وبعد أن ترجلنا من الأتوبيس ومع مجموعة من علماء الدين وأساتذة جامعات وإعلاميين والكل يحكى عن لقائه الأول أو ينقل عن أصدقاء له، وأتخيل معهم حكايات أهلى وأصدقائى ممن حجوا بيت الله الحرام ومن بعد أطالع الأضواء المبهرة وتسارع الحجاج إلى الدخول إلى المسجد.

أكملت السير حتى باب المسجد وفى ذهنى آلاف التوقعات لما قد يحدث معى وأردد الدعاء الذى أحبه حتى يكون أول دعاء لى حين تلتقى عيناى بالكعبة.

وكان اللقاء الأول الساعة الثانية عشرة مساء ومع ميلاد يوم جديد، إحساس بالخطف تشبثت عيناى بالكعبة وانفصلت تماما عمن حولى، وعما حولى ظللت مدة لا أتذكرها أحس أنى شبه مختطف، وانطلقت بعد ذلك فى الطواف، وعندما عدت مرة أخرى بعد أعوام لم يختلف الشعور أيضا عن المرة الأولى، ولكن وأنا أغادر أحسست برغبة فى البقاء، وظل الحلم بالعودة يراودنى وحتى اللقاء الأخير العام الماضى يظل الشعور بالرهبة والرغبة والحاجة إلى الزيارة هو ما يصلنى حين أصل إلى بيت الله الحرام.

وما بين مكة والمدينة كنت أحلم بزيارة الرسول، عليه الصلاة والسلام، وكنت أترك لخيالى العنان كيف سيكون اللقاء مع خاتم الأنبياء والمرسلين؟

أذكر أننى ما إن دخلت المدينة كنت أتمنى أن أترك أمتعتى مع الأصدقاء ولأسارع بالزيارة، وكان لقائى الأول فى الروضة الشريفة حالة تختلف كلية عن زيارة الكعبة الشريفة، هناك تؤدى عبادة وتطلب ما تشاء ولكنك هنا فى حضرة الرسول عليه الصلاة والسلام، كن أكثر أدبا وخشوعا ورهبة ورغبة فأنت تسلم على الأشرف والخاتم والنبى الأمى، ما بالك وما هو شعورك وأنت فى بيت من بيوت الله الحرام وفى حضرة الرسول.. تخيل أنت فى ضيافة أشرف الخلق وفى بيت الله.. راحة وهدوء ورغبة عارمة فى البقاء وإلى الأبد إلى جواره.. هنا تستأذن فى الدخول وفى المغادرة تسجد لله وتقف لتنظر إلى مقام رسول الله، أى متعة وأى راحة وأى رغبة تتحقق لك.. ما بالك وأنت ضيف رسول الله تكلمه تحدثه تدعوه تتشفع به.. ما بالك وأنت العبد الذى أتيت تستغفر من ذنوبك وتطلق لأحلامك العنان أن تدعو فيرضيك الله بالقبول والعفو وتختم ذلك بزيارة رسوله والتبرك بروضته.. ما بالك وأنت تسجد فى مكان وصف بأنه من الجنة.. ما بالك هل تحملك قدماك على المغادرة؟ وهل يطاوعك عقلك أن تستجيب لأوامر أن تغادر المكان لتفسح للآخرين كى يحققوا حلمهم؟

كنت وأنا أغادر المدينة أدعو الله ألّا أكون قد أخطأت أو قصرت فى زيارة رسوله، حتى يسمح لى بالزيارة مرة أخرى.. فى زيارتى الأولى لم تسمح لى الظروف إلا بزيارة الروضة حين الوصول وحين المغادرة، رغم محاولات عديدة كنت قبل المغادرة أحاول أن أصل إلى داخل الروضة الشريفة وأفشل مرات عديدة وأعاتب نفسى يبدو أن ذنوبى كثيرة والمضيف لا يريد أن يستقبلنى وبت ليلة كاملة أتضرع إلى الله أن يعفو ويقبل رسوله ويسمح لى بالزيارة، وفى فجر يوم المغادرة كان اللقاء الثانى ومرت سنوات وعدت مرة أخرى وكان المضيف أكثر كرما فصليّت مرات فى روضته ولمست مقامه وأطلت النظر إليه والدعاء.

كنت أحس بكرمه كلما سهلت لى الطرق فى الوصول إلى مقامه.. وكانت المغادرة أكثر ألما من سابقتها فقد زاد التعلق بالمقام الشريف.. وفى لقائى الأخير ازداد الكرم فزرت المقام وصليت وكانت الدعوة الكريمة لأصدقاء أعزاء الوزير أسامة هيكل، والمستشار محمد لطفى، والصديق محمد العمرى، والصديق عبد الفتاح الجبالى، فكلما تفرقنا فى صلاة جمعتنا الروضة الشريفة، وكان مضيفنا كريما معنا كلما خرجنا عدنا مع وفد جديد وسمح لنا بالجلوس والمكوث لفترات والوقوف أمام مقامه والاستمتاع بالنظر إليه، والإحساس الرائع أنك فى ضيافته.

أكتب عن تلك الزيارات لا أدرى لماذا اخترت الموضوع والوقت فلعل اللقاء قريب ولعل دعوات المضيف تأتى لترحل بى بعيدا عن أشياء عديدة لتخلد النفس والروح قليلا وليتزود القلب بشحنة إيمانية جديدة تمحو آلاما حدثت أو تعطى أملا فيما تبقى من سنوات ومحطات العمر.

محطة الزيارة رغم قصر مدة المكوث بها إلا أنها أجمل وأغلى محطات العمر وهى المحطة الوحيدة التى ترغب أن يتوقف عندها قطار الحياة وألّا يغادرها وإن حدث أن يعود إليها مسرعا.. لا توجد محطة مر بها القطار وكانت هناك تلك الرغبة فى العودة إليها والشوق إلى التوقف بها والرهبة حين مغادرتها.. وكلما غادر قطار الحياة محطة من محطاته فإنك ترغب وتحلم بمحطة أجمل وأفضل مهما كانت سعادتك بالمحطة التى كنت بها إلا محطة زيارة الرسول فهى المكان الذى لن تجد أجمل وأفضل منه.. دعواتكم أن يعود بنا قطار الحياة إلى هناك لعلنا نكون معا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز