أحمد سليم
رمضان القاهرة يختلف عن كل رمضان فى العالم، ورمضان ريف مصر يختلف أيضا عن رمضان القاهرة، أما رمضان زمان فما كان أجمله.
كانت قريتنا فى ريف الدلتا تستعد لشهر رمضان ببساطة أهل الريف أيام الستينات، ست البيت المصرية الفلاحة استعدت بتربية طيور وأرانب، وإعداد للفرن وأماكن الطبخ، والأطفال استعدادا بفانوس رمضان القديم وشمعته التى لا تنطفئ طوال الليل، ورجال القرية استعدوا لسهرات الدوار وليالى الإنشاد وصلوات المسجد الجامعة ودروس العصر، وجلسات ما بعد صلاة التراويح.
كان ليلنا متصل فى الغالب بالنهار، نكاد لا نعرف النوم فى صبانا يبدأ يومنا بعد العودة من المدرسة لو صادف رمضان أيام الدراسة، وما أحلاه لو كان فى أيام الإجازات السنوية، فالوقت متسع لممارسة كل عادات وعبادات الشهر الكريم.
وأنت تسير بين طرقات القرية قبل المغرب بقليل، تشم رائحة الطعام من كل البيوت غنيها أو فقيرها، رائحة الطعام بالسمن البلدى والخبز الساخن، وما بين الكانون الذى كان البعض مازال يستخدمه لطهى الطعام فوق أعواد الحطب أو الخشب الجاف، وبين رائحة ما تم طهيه فى الفرن البلدى ويخرج الطعام إليك تبدو عليه علامات الطهى الجيد، وتستطيع أن تحدد على ماذا ستفطر تلك الأسرة، أو الأخرى من رائحة الطعام، وكنا صبية صغار نعرف أن عماتنا أو خالتنا تتميز كل منهن بطهى نوع معين من الطعام، ويتسرب الخبر إلينا من أبناء العمات والخالات فنسارع إلى منازل الأقارب تبعا لما نحب من أنواع الطعام.
كانت القرية كلها تستعد لرمضان، الفلاح والعامل المثقف والأمى، شهر كنا نسارع فيه للاحتفاء بالأقارب القادمين من المدينة هاربين من رمضان بلا طعم إلى طعم رمضان بالقرية، حتى عشنا بعد سنوات نفس الإحساس فكنا نهرب من القاهرة حيث العمل إلى القرية حيث الأهل ورمضان.
كان شيخنا يقول إن رمضان كله بركة، إن كنت فقيرًا فأتاك طعام وشكرت صاحبه وحمدت الله كسبت طاعات، وإن كنت غنيًا وتصدقت كسبت ثوابًا، وإن كنت مريضًا وامتنعت عن الصيام فقد أطعت الله، وإن كنت بصحة وصمت فقد أطعت الله أيضًا، شهر يتحول كله إلى شهر لجنى الثواب إن كنت عاصيًا وتوقفت عن المعصية فأنت تستحق ثوابًا، وإن كنت مطيعًا وازدادت طاعتك فقد كسبت الحسنات، إن صمت لسانك عن النميمة والكذب والخداع كسبت ثوابًا، وإن تحدثت بلسانك حامدًا أو شاكرًا ازداد الثواب لك.
شهر كان يقول عنه شيخنا إنه شهر يحميك، نسير فى شوارع القرية فنرى أول مظهر لمأدبة رحمن وكانت هى المرة الأولى التى اعتبر أنى رأيتها، كانت بيوت القرية على الطريق تترك أبوابها مفتوحة لعل سيارة تتوقف أو عابر سبيل يمر، وكانت مصاطب القرية تتحول إلى مآدب صغيرة يتجمع حولها أطفال صغار، كلٍ يحمل طبقًا أو عدة أرغفة من الخبز الساخن ليكونوا مائدة إفطار صغيرة تحتوى على أنواع عديدة، وكانت الأمهات فى الريف تدفع بأفضل ما عندها من طعام كى يكفى الأطفال المجتمعين حول فانوس رمضان للإفطار سويا.
وقبل الأذان بقليل كانت القرية تنصت كلها إلى صوت الشيخ سليم المرسى أو محمد السنبوك، وكنا نراقبه من حديقة المنزل، وأجمل اللحظات عندما يصل إلى المئذنة ويضع يديه على أذنيه لينطلق صوته بالأذان ويختفى الجميع من الشوارع إلا عشرات يصلون المغرب بالمسجد.
وفى المنازل كانت لمة الطبلية حول الطعام والأذان معلقة بمسلسلات رمضان بطولة شادية وفاتن حمامة وفؤاد المهندس وشويكار، ونغمات السمسية وابتهالات النقشبندى وطوبار وقرآن محمد رفعت، وبعد الإ‘فطار تدور أكواب الشاى الصغيرة الساخنة والداكنة استعدادا لصلاة العشاء والتراويح، فى حين ينطلق الأطفال بالشوارع غناءً وطربًا ولعبًا.
وما إن تنتهى صلاة التراويح حتى يجتمع رجال القرية عند كبير العائلة، الدوار به مبتهل وجلسات نقاش، والبيوت الكبرى بالقرية أيضا بها جلسات وصوانى شاى وشيشة رمضانية، ثم تبدأ رحلة السحور مع المسحراتى وحوله أطفال القرية، يظل يدور فى الشوارع مناديًا كل باسمه موقظًا له للسحور، ثم تأتى رحلة بداية اليوم مع الذهاب إلى المسجد لصلاة الفجر مع صوت الشيخ إسماعيل عامر رحمه الله، وصلاة يؤمها الشيخ محمود الراعى رحمه الله، وبعدها يبدأ الفلاح يومه بعد صلاة الفجر وينطلق الصبية إلى جرن القرية للعب الكرة حتى الصباح ليبدأ كل يوما جديدا بطعم رمضانى مختلف.
رائحة رمضان القرية وطعام أمى وجلسة أبى ولمة الطبلية مازالت أجمل الصور فى ألبوم ذكرياتى، زيارات أقاربى ومسلسلات رمضان الإذاعية وصوت السمسمية مازالت ايضا تملأ اذنى، كيف كنا طوال سنوات وجود المهجرين من مدن القناة نحرص على أن يشاركونا رمضان فى منازلنا بعيدًا عن المدرسة التى كانوا يقيمون بها، وكيف كان الفلاح أيًا كان مستواه يسعد بطارق على الباب جاء ليفطر معه، وكيف كانت المساجد تمتلئ بالمصلين فى الفجر والتهجد وصلوات القيام، كيف كنا نعيش دينًا يسرًا لا عسر فيه ودنيا جميلة لا مبالغة فيها، إنه رمضان فى قريتى مازالت أحن إليه وأن أقضى ليلة من لياليه القديمة بطعمها الذى لا أتخيل أن يعود، فرمضان الذى أحبه مازال هناك فى قريتى بعيدًا عن القاهرة، رمضان هناك كريم، وكريم جدًا.