أحمد سليم
قطار رمضان الدنيا سريع.. لا يمنحنا فرصة العبادة والتعبد والتسبيح والتذكر والاستغفار.. لا يعرف أننا ننتظر طوال العام فى أحد عشر محطة شهريا أن نلحق به ونسعد بالركوب فيه والسفر عبر قراءات المصحف وزيارات المساجد وحتى ولائم الأقارب والأصدقاء.. رحلة سرعان ما تنتهى لنترجل منه مرة أخرى نلهو مع الحياة أو نرتجل منه وقد اجتزنا عقبة من العقبات أو قربنا خطوة من نيل شرف الانضمام إلى من يعبرون الصراط المستقيم إلى جنة عرضها السموات والأرض.
يمضى قطار رمضان ونحن ننظر من نوافذه هنا كنا نفطر ذات يوم فى الحقل وكنا مجموعة من الشباب على جسر أحد الترع، كان إفطارا رائعا جميلا طازجا، وكانت صلاة خاشعة فى مصلية جميلة على الترعة والمصلية لأبناء المدن هى مكان صغير على جسر الترعة يخصصه الفلاحون للصلاة أثناء تواجدهم فى الحقول ويفرشونها بقش الأرز أو الحصير الخفيف وغالبا ما يلحق بها طلمبة ماء أو يعتمد الفلاحون فى الوضوء على مياه الترعة.. كم صلينا وكم جلسنا فى مصليات عديدة وكم كانت هذه المصلية أو الأخرى راحة لنا لجزء من الساعة وقت القيلولة وغالبا ما تقام المصليات على الترع تحت الأشجار لتجمع بين الظل ورائحة الماء وترطيبه للجو المحيط به.. ومن المصليات التى أذكرها كثيرا ويذكرها أبناء قريتى مصلية القبطى التى أقامها حارس المزلقان القبطى فى قريتنا لأصدقائه المسلمين حتى إذا أتاهم وقت الصلاة وهم جلوس معه لا يذهبون إلى المسجد البعيد.
أنظر من نافذة القطار لأتذكر يوم كنت فيه وكنا مجموعة من المجندين فى صيف عام 81 نجلس بكتيبتنا فى منطقة صحراوية بالقرب من الإسكندرية معنا المقدم أسامة الشاهد وأصدقاء من محافظات عدة جمعتنا فترة التجنيد كنا نجلس فى ظل سيارة عسكرية نفترش الأرض والطعام على فرش تم إعداده وأعد لنا الطعام المجند الزميل، أتذكر أنه كان من قرية بلقطر الغرب بالبحيرة، وأعد لنا ملوخية ربما لم أذق أجمل منها.. كنا مجموعة من الشباب حديثى التخرج جمعتنا ظروف التجنيد وكل منا يحمل أحلامه نحو المستقبل وكانت أياما رمضانية جميلة.
أنظر من نافذة القطار الرمضانى ألتذكر إفطارا رمضانيا تعدد وتكرر مع الزملاء والأصدقاء فى جريدة شباب بلادى عمر الصعيدى وعاطف حزين وعبد الحميد جاد ويوسف سعداوى ونورا عبد الحليم ومعنا الأستاذ الراحل عبد الفتاح الديب والأستاذ محمد الزرقانى ومجدى حجازى وصديقنا الراحل مجدى عبد العزيز وأتذكر تجربة صحفية ممتعة استمرت لأربعة أعوام وقدمت للحياة الصحفية العديد من الكتاب والصحفيين أتذكر منهم الصحفيات نجوى طنطاوى وعزة سعد ونادية النشار وشاركنا التجربة الصديق المبدع يسرى الفخرانى، ويستمر قطار رمضان قاطعا رحلته ألتذكر رمضان فى هيئة الكتاب.. رمضان فى معرض الكتاب فى دورة وحيدة صادف فيها رمضان فترة إعداد وتنفيذ المعرض، أذكر ليالى الشعر والأمسيات والندوات التى كان لها طعم مختلف فى رمضان.. ليالى الأبنودى ونجم وسعدى يوسف وسميح القاسم وسعاد الصباح.
أتذكر الزملاء الراحلين نادية مصطفى وعمرو صبرى وسمير عطوة وعمر نجم وحازم شحاته.. ياااه ما كمية الفقد وعدد الراحلين والذى تركوا قطار رمضان وتركونا أيضا فى قطار الحياة؟.. أتذكر ليالى رمضان الثقافية وحرص الدكتور سمير سرحان والأستاذ صلاح المعداوى وسيد عواد على الوصول بها إلى مستوى ليالى ثقافية ممتعة، وأتذكر كيف قضينا رمضان فى أكشاك الكتب على النيل وكيف تحولت المنطقة امام هيئة الكتاب إلى منطقة جذب ثقافى طوال رمضان تبدأ عقب العشاء وتستمر حتى الفجر.. كانت خيمتنا خيم ثقافية ولم تكن خياما للغناء والإفطار فقط.. أتذكر أمتع إفطار على شاطئ الإسكندرية، افترشنا الرمال ووضعنا طعامنا وصلينا المغرب وجلسنا حتى السحور.. الإسكندرية بمذاق رمضانى روحى حول المرسى أبو العباس وبمزاج شبابى جميل على الكورنيش، الإسكندرية التى لا تنام ساحرة فى رمضان أيضا.
ويمضى بنا قطار رمضان أتطلع من نافذته ونحن نفطر رمضان كل عام مع الزميل والصديق إبراهيم عوض وصديقنا حضرة الضابط عصام يبحث عن نصيبه من البط وآخرون يبحثون عن نصيبهم من الحديث.. رمضان القاهرة الرائع والممتع من الحسين إلى السيدة زينب إلى براح السيدة نفيسة إلى تمشية فجرية على كوبرى قصر النيل إلى وإلى وإلى.. ما أمتع رمضان فى القاهرة.
رحلات رمضان لا تنقطع، ونوافذ قطاره عديدة، تمتلئ فى كل المحطات عبر الطريق بالآلاف من الذكريات الجميلة والممتعة.. رحلات رمضان الإيمانية وأنت فى ضيافة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحمل هما لإعداد إفطار أو سحور فقد تكفل به أبناء المدينة المنورة تقربا أيضا وإعانة لك على التفرغ للعبادة.. أجواء روحانية ليس لها مثيل، أنت فى بيت الله ثم أنت فى ضيافة رسول الله هنا وهناك على مائدة إفطار الرحمن.. ما بالك وأنت صائم ثم تفطر فى بيت الله أو تفطر بجوار روضة رسول الله، أى إحساس رائع وأنت تدعو وأنت متأكد من الاستجابة ولم لا فأنت فى حضرة رسول الله هنا يتوقف القطار كثيرا وتظل مندهشا وأنت تنظر من النافذة إلى مئات الآلاف وقد ملأت الدموع عيونهم رغبة فى الجنة ورهبة من النار شوق إلى الرسول وحزنا على فراقه والعودة إلى الديار.
رمضان يمضى إلى منتصفه.. يسرع فى ساعاته فلا نستطيع ملاحقته وأن نؤدى واجبه، فهو الضيف الأهم على مدار العام، نستعد له ونأمل فى لقائه وندعو أن يمكث معنا كثيرا ولكنها سرعة الحياة.. يمضى رمضان حاملا معه ذنوبنا، مانحا المغفرة، واعدا لنا بالجنة فى ليلة لعلها اقتربت.. ليلة هى خير من ألف شهر ندعو الله أن ندركها وأن ندرك ثوابها وأن يستجاب لنا فيها بصالح الدعاء.