أحمد سليم
شهر كامل من أثنى عشر شهر فى العام اختصه الله بكل هذه المنن والمنح والبركات.. أعطاك فرصة لتنال رحمته وأخرى لتحصل على مغفرته وثالثة ليعتقك من نار جهنم.. وأعطاك فيه ليلة تعادل ألف شهر.. ليلة لو صادفتك ودعوت أجيبت دعوتك.. ليلة يستمع فيها الله إلى نجوى عباده وشكواهم وحمدهم وشكرهم فيجيب الدعوى ويثيب على الحمد والشكر.. منح الله الإنسان فرصة عشرة أيام كاملة لتنال رحمة الله ولكى تنال ذلك عليك أن تقدم عملًا وصومًا وصلاة وقيامًا أديتهم إيمانًا واحتسابًا وجبت لك رحمة الله ثم تأتى الفرصة الأكبر لتنال المغفرة عبر صيام وقيام وصلاة إن أديتهم وجبت لك المغفرة ثم تأتى إلى الجائزة الكبرى عشر العتق من النار.. فيهن إقامة ليل وصلاة وتهجد وسنن وختم لقراءة القرآن وتتطلب قدرة أكبر لتحمل صوم يدوم ثلاثين يومًا.
وبين العشر الأواخر ليلة لا يعرفها العبد وإن كان لها علامات ومنع معرفتها جاء أيضًا لأسباب تجعل العبد يخلو إلى ربه ساعات طويلة يتعبد فيها ويذكر الله ويدعو فلعلها تكون الليلة الموعودة.. لننظر إلى حكمة التقسيم فى الأيام الرمضانية ولنطبقها فى حياتنا نعمل ونجد لنحصل على قربى من صاحب العمل أو رئيسه وعندما تزداد صلة القربى نعمل ونكد أكثر لنحصل على درجة أكبر فى العمل ومركزًا متقدمًا وإذا حدث ذلك نعمل ونكد ونشقى ونسهر ونواظب لنحصل على المنصب الأكبر فى الدنيا ولا يعلم البشر متى يكون رب العمل راض عنهم ومتى يمنحهم الجائزة فما بالك وأنت تعمل لرب البشر خالق الأرض والسماء فلتعمل بجد وحرص وتركيز وإنجاز فأنت فى العشر الأواخر من رمضان.. عشر العتق من النار والعشر التى تضم أعظم ليالى العام..
كنا ونحن صغارًا نترقب السماء فى الصباح المبكر كل يوم هل هى صافية وهل شمسها هادئة ولا توجد حرارة عالية وهل كان ليلها السابق صافيًا وكنا نحكى سيرًا وقصصًا يدعى فيها كل منا أنه رأى ليلة القدر فقد كنا نحسبها ليلة ترى.. نذهب إلى المسجد الكبير لصلاة التراويح.. ونعود للمنازل لنلحق بدايات الكعك والبسكويت ثم تعود إلى المسجد لصلاة القيام ونحرص على التهجد ويغسل البعض منا حمامات المساجد وننظف ما حولها كلنا نسعى إلى الوصول إلى ليلة القدر..
وكان لكل منا خياله من يدعى أنه رأى السماء صافية وتمتلئ بالنور ومنا من يدعى أنه كان يسمع صدى دعائه يتكرر كأنه يتردد فى السماء ومنا من كان يحكى أحلامًا سعيدة ورؤى جميلة كل ذلك ليثبت كل منا للآخرين أن الله تقبل عمله وصيامه وقيامه..
كانت الأيام العشر تحمل لنا كأطفال أهم الأحلام.. حلم الملابس الجديدة وكانت الأسر الميسورة تأتى بالخياطة إلى المنزل لتحيك ملابس العيد للفتيات والأمهات وكانت أخواتى وأقاربى يجلسن حولها كأنها ترسم لهم لوحات فنية.. يلتقطن كل قطعة بفرحة وسعادة وكنا كصبية نمسك بأيدى آبائنا نتنقل بين محلات عمر أفندى وهانو وباتا نحصل على ملابس جديدة وكان بالبلدة صانع أحذية كنا نظل مبهورين ليالى ما قبل العيد نحلم بحذاء جديد يصنعه لنا وكم بات الحذاء والملابس فى أحضاننا ليلة العيد..
كانت العشر الأواخر تحمل لنا دائمًا رائحة الكحك والبسكويت وما بين الكحك اللين والآخر الذى كنا نقوم بقذفه إلى الحائط وعودته سليمًا كناية عن عدم إضافة السمن أو القشطة أو الزبد إليه.. كنا نقضى الأيام الأخيرة من رمضان ما بين المسجد نصلى ثم نسير خلف عم عكاشة المسحراتى ونعود إلى البيت لتناول السحور ثم إلى المسجد لنستمع إلى ابتهالات الشيخ إسماعيل عامر وأذان الشيخ سليم المرسى ومن المسجد إلى جرن القرية للعب الكرة أو المذاكرة لو كانت الامتحانات لم تنتهى وعودة إلى البحث عن ملابس جديدة واستعدادًا ليوم العيد..
كانت أيامًا رائعة عشناها بكل ما فيها من فرحة وسعادة وأستطيع أن أجزم أن فرحتنا فى زماننا لا تصل أبدًا إليها فرحة أطفال هذه الأيام ولا أعرف أين ذهبت فرحة رمضان لدى الأطفال وهل نحن السبب فى سرقة هذه الفرحة أم أن الزمن قد تغير وتغيرت معه مفاهيم السعادة..
نبدأ اليوم العشر الأواخر من رمضان لعل الله يعيد لأطفالنا جزء من سعادتنا التى عشناها وسعدنا بها فى مثل هذه الأيام ولعل الله يتقبل منا عملنا وصيامنا وقيامنا.. من العامل المتقن لعمله والموظف صاحب الضمير الحى ومن الجندى الحامل لسلاحه الواقف على حدود بلاده حاميًا لها ومدافعًا عنها ومن زميله الذى يتحمل حر اليوم وصعوبته منظمًا لمرور الشارع أو باحثًا عن حماية للداخل.. عشرة أيام هى أيام الجائزة الكبرى سيلقاها من عمل صالح من أقام الصلاة ومن أجرى عملية لمريض يتألم ومن قدم صدقة لفقير ينتظر ويتعفف عن السؤال سيلقاها كل من ملك ضميره وأتم عمله..