أحمد سليم
رحلة طويلة بمقياس ما شهدته هذه الأجيال التى حملت الفانوس الزجاجى صاحب الشمعة الشهيرة وجالت فى شوارع القرى وحوارى المدن تغنى وراء المسحراتى وانتظرت بكل فرحة شهر رمضان وانتهى بها الحال إلى شراء فوانيس تغنى وترقص وتطير وتلعب مع أحفادها، أجيال الخمسينات والستينات كان طموحها جنيها وزاد إلى خمسة جنيهات لتقضى أيام العيد فى بهجة وسعادة ومتعة، وجاء الوقت عليها ليطلب الأحفاد مئات الجنيهات لقضاء يوم العيد فقط، وإذا حاولوا قضاء أسبوع العيد انتقل الرقم من خانة الصفرين إلى أرقام يتبعها ثلاثة أصفار، أجيالنا وأتذكر أيام العيد ونهايات رمضان كانت ليلة العيد تعنى لنا الكثير فأبناء المدن يسمعون بكل فرح وسرور طلقات مدفع الإفطار وهى تعلن انتهاء رمضان وقدوم العيد، وليلة العيد نمضيها نعد ملابسنا ونستعد لما هو أهم، مراسم يوم العيد من ارتداء الملابس بعد صلاة الفجر مباشرة ثم صلاة العيد، وكنا نذهب إلى مسجد القرية الذى يطلق عليه المسجد الصغير فأغلب العائلة تصلى فيه، وما بين خطبة إمام المسجد وبين تكبيرات المصلين كنا نجلس نحن الأحفاد يشغلنا هم واحد كم ستكون العيدية التى سنحصل عليها وكيف ومن من.
وما بين الجد والأب والأعمام والأخوال والعمات والخالات أو أقرباء جاءوا من المدينة، ينتظر أطفال الستينات قروشا قليلة ما بين الخمسة إلى العشرة قروش ثم تطور بنا الحال إلى الجنيه والخمسة جنيهات، وكانت كافية فى ذلك الوقت لتقضى يوما فى مدينة طنطا، تذهب إلى سينما ريفولى أو الجمهورية أو أمير، كان لدينا فى ذلك الوقت بمدينة طنطا خمس دور للسينما تعرض أحدث الأفلام، وكانت تذكرة السينما لا تزيد على الخمسة قروش ارتفعت إلى 25 ثم نصف جنيه، فجنيه فى الكراسى المتميزة، كانت رحلة الأطفال تبدأ من المراجيح إلى لعبة الأحصنة الدوارة ثم سلك الهوى وهى لعبة عبارة عن سلك معلق به بكرة يمسك بها الطفل وليتدلى مسرعا من أعلى نقطة فى سطح المنزل إلى الأرض، وكانت المراجيح ممنوعة للفتيات خشية أن تطير ملابسهن فى الهواء، أما الأطفال فكانت المسابقة تجرى حول من يستطيع إكمال عدة لفات من المرجيحة، وحول هذه الألعاب البدائية تجلس بعض البائعات ليقدمن للأطفال عصائر وأنواع من السردين المملح وبعض الحلويات التى يحصل عليها الطفل كجائزة له عن نجاحه فى لعبة النشان.
كانت الرحلة إلى المدينة تبدأ مع وصول الأطفال إلى مرحلة الإعدادى أو الثانوى ليرى هناك ملاهى ومطاعم أفضل ومقهى يجلس عليها ودور سينما يرتادها، مراسم العيد ظلت سنوات طويلة وعبر أجيال من الستينات إلى الألفية الثالثة التى أتت لتحول كل هذه الاحتفالات إلى ذكريات وأصبح الساحل الشمالى والعين السخنة وشرم الشيخ مقاصد جديدة لقضاء الأعياد، وتحول العيد إلى عبء على الآباء خشية أن يتهمهم الأبناء بالتقصير، وتحول الحفيد إلى أب لا يتقاضى عيدية إلا إذا أنعم عليهم رئيسهم بالعمل بمكافأة العيد التى تحولت فيما بعد إلى سبب للمظاهرات الفئوية، وأصبحت كل مؤسسة تحمل هم العيد كما الآباء فى المنازل، وأصبح رئيس كل مؤسسة يبحث عن كيفية تمويل عيدية العاملين فى مؤسسة تحقق خسائر بجدارة، وأصبح العيد هما على الكبار ولا نعرف هل كان أباءنا فى زمن سابق يعانون أيضًا وهل كانت طلباتنا البسيطة حينئذ صعبة بمنطق زمانهم.
يجلس الحفيد الذى أصبح أبا ليخطط لأبنائه كيفية قضاء العيد، فالعيد فى التسعينات اختلف والألعاب الخشبية اختفت وحل محلها ألعاب الكترونية، ولم تعد هناك مراجيح ولا سلك الهوى بل أصبح هناك بلاى ستيشن ورحلات الإسكندرية أو الغردقة، ولم تعد السينما بجنيه بل أصبحت بعشرات الجنيهات ولم يعد سندوتش مديح من طنطا يكفى، فمحلات الوجبات السريعة وأوردرات المنازل والتيك اواى اصبحت متاحة للجميع، واختفت فرصة العيد لدى الأجيال التى تحولت إلى أجيال مسؤولة عن أجيال جديدة.
وبسرعة الزمن يتحول الحفيد إلى جد يجد سعادته فى سعادة أحفاده، أصبح تفكيره كيف يسعد الأحفاد وكيف يعيش معهم فرحة العيد، نجح الأحفاد فى إعادة سعادة الجد وتحول العيد إلى مصدر فرحة له عندما يقضيه معهم، وما بين عيد الحفيد وعيد الجد مرت سنوات طوال، ولكن مازالت رائحة العيد القديم تلح عليه، ومازالت طقوس العيد تطوف أمام عينيه ذكريات جميلة، رحلة العيد من الحفيد إلى الجد رحلة طويلة جميلة تمتلئ بالذكريات.