أحمد سليم
المشهد الأول.. ليل خارجى، مطار القاهرة الدولى، طائرة مصرية تحمل على متنها رجالا أوفياء ومعهم صيد ثمين.
عشماوى أخيرًا فى مصر وفى قبضة الصقور، الرعب فى عينيه والذل فى نظرات شريكه وحارسه.. ثقل الخطوات على أرض الوطن بعد أن تأكد أنه أخيرًا فى مصر وبين رجال كان زميلا لهم ذات يوم وارتدى نفس الملابس، وأقسم ذات اليمين لكنه لم يحترم زيّه العسكرى ولا اليمين التى أقسمها وسلم نفسه لشيطان الخيانة ولم يكتف بنفسه بل ضم إليه خائنين آخرين بنفس الملة والعقيدة تركوا شرف الزى العسكرى وحنثوا باليمين وانطلقوا وراء شيطانهم الذى زين لهم الخيانة وكانت هذه النهاية.. ذل وعار لأسرهم ومحاكمة قاسية فى انتظارهم.. ووعد من الله سبحانه وتعالى بحسابهم.
عشماوى الذى انطلق بخيانته من مصر إلى سوريا إلى ليبيا سقط أخيرًا وها هو يصل إلى مطار القاهرة ذليلا يتمنى المصريون جميعًا أن يشاركوا فى إعدامه.. دخل التاريخ من أسوأ الأبواب باب خيانة الوطن.. الصيد الثمين الذى عاد به الأبطال من المؤكد أنه سيضع بالمعلومات التى يتم استخلاصها منه نهاية لخيوط عديدة للمؤامرة التى تعرضت ومازالت تتعرض لها مصر.
وفى مقابل المشهد.. شهيد فى أعلى عليين زميل له فى نفس الكتيبة درسا معا وتزاملا وأقسما وحملا نفس الرتبة والزى والسلاح ولكنه حافظ على شرفه العسكرى وحسّه الوطنى واليمين التى أقسم بها أن يحافظ على وطنه وعلى سلاحه حتى الموت أو الشهادة.
ظل الشهيد منسى يحمل سلاحه ويدافع عن كتيبته ومعسكره ووطنه حتى استشهد، ويوم جاء جثمانه إلى مطار القاهرة كان محمولا على الأكتاف ملفوفا بعلم مصر يودعه الرئيس والشعب وتنحنى أمامه كل الرؤوس تحييه وتظل سيرته عطرة بين صفحات التاريخ.
الفارق بين المشهدين ليس سنوات فما بين استشهاد البطل أحمد المنسى والقبض على عشماوى مدة ليست طويلة وما بين النهايتين ليس طويلا ولكنه يختلف كل الاختلاف هو حقيقة الاختلاف بين الشهيد والخائن.. بين من ضحى فى سبيل وطنه وحافظ على دينه وبين من باع وقبض الثمن.. مشهد بين التضحية والخيانة.. أحدها يأتى إلى مطار القاهرة جثمانًا ملفوفًا فى علم دولته وترفرف روحه على الوطن كله وآخر يأتى إلى مطار القاهرة مكبلا ذليلا.
المشهد الآخر فى سيناء.. آخر ليالى رمضان المبارك لا قمر يضىء الصحراء وسكون إلا من أصوات مصلين يصلون آخر صلاة فى رمضان ويستعدون لشهر جديد واحتفال يليق بالعيد.. ونفس المشهد ليل خارجى.. ضابط شاب لم يتعد عمره الرابعة والعشرين تخرج فى كلية الشرطة منذ عامين إلا قليلا.
يقف فى خدمته يحمل سلاحه بعد أن أتّم صيام شهره وصلى العشاء، وغالبا كان على وضوء لتأدية صلاة الفجر، ربما يفكر فى والدته وماذا أعدّت له بعد عودته من نوبتجيته إلى قريته وفرحتها بلقائه بعد غياب، وهل يأتى زميله فى المناوبة ليحل محله فى موعده؟ يعلم أن هناك من يتربص به ولديه تنبيه بذلك.. لا يخاف عدوه المتربص به فهو على موعد دائم معه منذ أقسم اليمين ومنذ أن ارتدى بدلته العسكرية وجاء إلى سيناء مقاتلا.
يقف الضابط الشاب عمرو القاضى، وبالقرب منه الضابط الملوانى، ومعه جنود شباب أيضا أتموا صيام رمضان ودعوا أن يحقق لهم الله أمانيهم وأحلامهم، كانوا ربما على موعد ومواعيد مع من يحبون بعد عودتهم إلى قراهم فى الغربية والمنوفية والصعيد كلهم شباب مصرى تحت سن الثلاثين زهور تتفتح وأمال وأحلام لهم ولأهلهم.
ثبات على قيم وأمان لا يتغير من أبناء مصر.. المشهد يضم من بعيد نخيلا يحيط بالمكان والخلفية أصوات المصلين تأتى من بعيد إيذانا بمولد فجر شهر جديد وعيد للمسلمين أجمعين.
فى المقابل أكثر من عشرين شخصًا يأتون متخفين يحملون أسلحة الخيانة والغدر لم يحفظوا للوطن أمنه، وللدين مواثيقه، أحلامهم السوداء خطط لها خبراء مسحوا عقولهم وحولوهم إلى شياطين تجرى على الأرض، جاءوا للوطن بالدمار ولأسرهم بالخزى والعار.. وتحول المشهد فجأة إلى صوت للرصاص وطلقات "آر بى جى" وتكبيرات للأبطال المدافعين عن الوطن وإصرار على الدفاع باستماتة حتى آخر طلقة معهم، وآخر نفس يملكونه وما بين صمود الأبطال وخيانة الغدر القادمة من الناحية الأخرى يرتقى الأبطال إلى السماء بشرف وسمو وشهادة لم يعودوا إلى أهلهم ولم يلتقوا مع من يحبون، ولكن كان لهم الثواب والأجر الأعظم أنهم يحتفلون فى السماء بصلاة العيد أمامهم الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبتهم صحابته وأحبائهم من سبقوهم من شهداء عند الله أحياء يرزقون.
الفارق هو نفس الفارق فى المشهد الأول، رجال يحملهم الوطن على أكتافه ويعاهدهم على المضى فى الطريق حتى دحر الإرهاب وكلاب للنار، أتت من حيث أتت وانتهت إلى كونهم جيف قذرة وينتظرهم يوم الحساب، حساب عسير من رب قدير.
ومشهد أخير قائد يعرف أن أبطاله استشهد منهم البعض يعرف ويتألم، يدعو الله أن يرحمهم ويعاهده على أن يأخذ بثأرهم.. يحنو على أبنائهم تتعلق به طفلة من أبناء الشهداء لا تعرف من هو ولكنها تحس أنه الأب فتظل متعلقة به طوال اللقاء مع أسر الشهداء.. يحنو عليهم الرئيس ويداعبهم وقلبه معلق بأبطال آخرين ينفذون مهمة أخرى وهى الثأر الفورى للشهداء يلاحقون القتلة فى الصحراء وحتى مدخل العريش حيث اختبأوا أملا فى الهروب مرة أخرى بعد ان أحبط الابطال الشهداء هدفهم فى المرور من الاكمنة واقتحام أماكن الصلاة بالمدينة لعمل مذبحة كبيرة فى العيد.
كان الأب "جابر الخواطر" ينتقل بين أبناء الشهداء وقلبه مع الأبطال فى سيناء حتى أخذوا بالثأر العاجل وليس الثأر الكامل الذى ننتظره يوم نرى كل هؤلاء الكلاب على المشانق أو جيف بالصحراء.. وأعود بالذاكرة لأرى طابور الشهداء يزداد ورغم ذلك فالألآف من أبناء وشباب مصر أمام منافذ التقدم للكليات العسكرية والشرطة وآلاف المتطوعين للالتحاق بالقوات المسلحة وإصرار على الالتحاق بالخدمة الوطنية.
مشهد بين إصرار المصريين على شرف الانتماء للقوات المسلحة وما بين شباب تم التغرير بهم.. طوابير المنتظرين للالتحاق بالكليات العسكرية والقوات المسلحة والشرطة وإصرار مئات الضباط على الالتحاق بالخدمة فى سيناء والساهرين على أمن الوطن فى كل مكان هذا المشهد هو الرد المناسب والرادع للإرهابيين وداعميهم ومموليهم.. أقول لهم مشهد جيف أصدقائهم القذرة بالصحراء، والذل فى عيون عشماوى ورفيقه، ووصول أيمن شوشة الذى فرح فى استشهاد أبناء الوطن مكبلا ذليلا إلى الوطن لعله يكون رسالة لكم، سيأتى بكم أبطال مصر من أى مكان تحتمون به وفيه، لن تنفعكم أموال قطر وتركيا ولا فتاوى القرضاوى وغنيم.. انتظروا حساب المصريين، اقترب بعد أن طال صبرهم ونفذ، وحساب الله باق لكم.