البث المباشر الراديو 9090
أسامه سلامه
فتاة ريفية تقيم فى إحدى قرى الصعيد، تعيش حياة تقليدية، ليس هناك فارق بينها وبين قريناتها سوى تفوقها فى الجامعة، تحكمها نفس التقاليد والأفكار والهواجس، فجأة تجد نفسها فى عالم آخر، جاءتها منحة من جامعة ساسكس فى برايتون ببريطانيا، ولم تدر الفتاة الصغيرة هى منحة أم محنة؟ كيف تتصرف فى بلد غريب؟ وكيف تعيش وتواجه الغرباء بلا خبرات ودون سند أو معين؟ لقد ذهبت من الدار إلى النار، فماذا حدث معها فى برايتون؟

هذه الفتاة هى بطلة رواية الدكتور سامح فوزى "حدث فى برايتون" والصادرة مؤخرا عن سلسلة روايات الهلال التى يترأس تحريرها الزميل خالد ناجح، الرواية هى العمل الأدبى الأول لسامح بعد أن اشتهر كباحث معروف وكاتب مشهور له كتابات ومؤلفات مهمة فى مجالات السياسة والتنمية والمواطنة، منة الله، بطلة الرواية عندما وصلت برايتون كما يقول المؤلف على لسان الراوى "احتاطت لنفسها فأقامت فى سكن خاص بالطالبات دون خلطة مع الطلاب"، وأغلقت على نفسها باب حجرتها وظلت على تحفظها تجاه من يشاركنها السكن، و"كانت الفتيات تستغربن سلوكها وتبادلن معها نفورا بنفور" و"ظلت تسير فى طريقها المملؤ باضطراب نفسى لا تستطيع التكيف مع واقعها" تقوقعت على نفسها فى وحدتها حتى اقتحمتها فتاة مكسيكية وجذبتها للحوار والاندماج مع شريكات السكن، وقادتها إلى معرفة الجانب الآخر من الحياة، من خلال التعامل الفعلى وليس من وراء شباك غرفتها.

منة الله أعادت اكتشاف نفسها وانفتحت على الآخر، وحتى عندما قادتها الصدفة إلى الذهاب لإحدى الكنائس استطاعت تجاوز الأمر وارتبطت بصداقة مع القسيس المصرى وزوجته، كما أنها ظلت محافظة على حجابها "لم تبرح تدينها ولكنها بدأت تدركه بعمق مختلف أدركت أن الحياة شأن خاص وليس مطلوبا منها أن تكون داعية ولا مدعية فقط تكون نفسها"، "هجرت كثيرا من الممارسات التى يغلفها الحذر الزائد واتجهت إلى الانفتاح على المجتمع المحيط بها".

عادت منة الله إلى مصر بعد حصولها على الدكتوراه، لكنها كانت شخصا آخر، و"كان عليها أن تصيغ العالم من حولها حتى يتواءم مع التحول الذى ألم بها"، حتى إنها أقامت فى القاهرة مع فتاة أخرى بعيدا عن أسرتها المتحفظة على شخصيتها الجديدة بعد أن حصلت على عمل فى شركة عالمية لها فرع فى مصر، واكتشفت مرة أخرى عالما مختلفا عما عاشته فى قريتها، ولكنها هذه المرة كانت محصنة بأفكارها الجديدة، رغم تطور شخصيتها تزوجت بعقلها من أستاذ جامعى ظنته يحمل قيم العلم الحقيقية، وعندما اكتشفت زيفه حصلت على الطلاق وربت ابنتها بأفكارها الجديدة، فقد "أصبحت معجبة بشخصيتها وسعيدة بها" وظلت برايتون بوصلتها والمكان المفضل لها "مهد التغيير ومخزن الذكريات والحياة الجديدة التى تعشقها" ولهذا داومت على زيارتها باستمرار، ولكن هل كان سامح يقصد مدينة برايتون فعلا أم أنه كان يبحث مع بطلة العمل عن المدينة الفاضلة؟

لقد أجابت صديقة البطلة على السؤال بقولها "أنت تحبين مدينة فى خيالك سميتها برايتون وهى تختلف عن حال مدينة برايتون التى عشت فيها لسنوات"، وهل كان سامح يكتب عن شخصية حقيقية التقاها عندما كان يدرس الماجستير فى جامعة ساسكس؟ أعتقد ذلك وإن لم يصرح به المؤلف، وقد يكون أضاف إليها بعضا من الخيال أو غير بعض الوقائع لتتناسب مع أفكاره ولتؤكد على الرسالة التى يريد أن تصل إلى القارئ وهو ما يكشفه الإهداء الذى صدر به الرواية "إلى من يحب أن يجدد ذهنه ويتمرد على ذاته العميقة ويفتح نوافذ شخصيته ويسمح بتشكيل ذات جديدة داخله"، وأيا ما كان الحقيقية والخيال فى الرواية فما أجمل ما حدث فى برايتون.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز