البث المباشر الراديو 9090
أحمد سليم
يمضى قطار العمر ليتخطى محطاته الستين وأصبح الراكب سبعينيا كما يصف البعض من تعدوا الستين، يمضى القطار وقد عشت أكثر من عشرين محطة فى عمر ما بعد الأربعين وهى محطات توصف بأنها محطات الحكمة والعقل والرزانة.

وما بين ما قبل محطة الأربعين وما بعدها تمضى مسيرة قطار العمر تحمل ملايين النقاط من الذكريات، محطات من القرية إلى المدينة إلى خارج الوطن، محطات تحمل ملامح الطفولة ثم الصبا والشباب، ثم تدور الذكريات لتبدأ مرحلة تحمل فيها الأبناء ليستمر فضل الله العظيم، لتبدأ مرحلة تحمل فيها الأحفاد، قطار يبدأ محطته الأولى من قلب الريف المصرى من قرية شبراقاص بالغربية، قرية صغيرة بها مدرسة وكتاب ووحدة صحية من تلك التى بناها عبدالناصر فى الستينيات، وكانت تضم المدرسة والمستشفى ومكتب البريد والجمعية الزراعية ومركز الشباب فى مراحل متطورة، سنوات تبدو فى ملامح الذاكرة، وكما يؤكدون فى هذا العمر تبدو الذاكرة القديمة واضحة.

أتذكر جلوسى فى شباك البيت القديم متابعا ما يحدث بالقرية من منزل مرتفع بمقاييس هذا الوقت، أتذكر أولى محطات التعلم فى القرية، وبالمدرسة الابتدائية يستقبلنا ناظر المدرسة الأستاذ الراحل عبد العزيز شلبى وأساتذتى الشيخ فهيم عامر ورفاقه، وللأسف كلهم رحلوا، محطات التعلم الأولى أعتقد أنها صنعت ملامح حياتى حتى الآن، حب القراءة تعلمته فى السنة الأولى بالمدرسة من مكتبة الفصل ومكتبة المدرسة، بدأتُ العلاقة الأولى مع الكتاب وظلت حتى الآن حينما أريد الخروج من كل مشاكل الحياة وتفاصيلها لا حل إلا اللجوء للكتاب، ست محطات امتلأت بزخم كثير وزملاء وأصدقاء ما زالت أواصر الصداقة والأخوة تربطنى بهم حتى الآن.

مازالت كلمات أساتذتى عبد الله العبد وحسين البلا، تشكل جانبا من وجدانى الفكرى، ومازالت نصائحهم تمثل هاديا فى حياتى، أتذكر الشيخ المغاورى القاضى يحفظنا آيات القرآن، وأستاذ الموسيقى وهو أيضا يعلمنا أولى مراتب السلم الموسيقى والعزف فى مدرسة القرية، وبتعليم مجانى وفى عصر الستينيات الذى يتهمونه بالكثير تعلمنا موسيقى ومسرح وفنون وثقافة لم تتح للجيل الحالى، وأعتقد أنها حلم أن يعود التعليم إلى ذلك، والأمل كله فى استكمال منظومة التطوير التى أطلقها الرئيس السيسى ويصر على نجاحها.

قطار العمر فى محطات الطفولة ينتقل إلى مرحلة الصبا فى مدرسة إعدادية كنا نسير يوميا كيلومترات للوصول إليها، والحمد لله لم يكن عصر التوكتوك قد بدأ فتحول مشوار الوصول إلى المدرسة والعودة منها يوميا إلى رياضة إجبارية ساعدتنا الآن فى الحفاظ على ما تبقى، ذكريات الصبا الأجمل طريق وسط الحقول والحدائق، زملاء يمتلئون محبة وصدقا زملاء من محافظات القناة يحكون لنا وعائلاتهم عن محافظات القناة وحرب 56 و67 وما حدث برواية من عاش وعاين لا نقلا عن بيانات أحمد سعيد، الحكايات عن القناة وحدائق المانجو جعلتها حلما أن نزورها بعد ذلك لأننا عشناها من حكايات الزملاء وعم أبو حسين لنراها حقيقة مع الأصدقاء أحمد العايدى وعصام دياب وإخوة كثيرين من القناة ومحافظاتها ومدنها الجميلة، محطات الصبا عشناها مع أغانى حليم ووردة وفايزة وقراءات الحصرى وعبدالباسط والمنشاوى وابتهالات النقشبندى وكثيرين والعديد من الذكريات.

وتنتهى مرحلة من تاريخ مصر لتنتهى مرحلة الستينيات ويرحل الزعيم جمال عبد الناصر، الذى كنا نعتقد أنه خالد للابد ولم نكن فى طفولتنا وصبانا نتخيل مصر من غيره، وكما أنهت السبعينات محطات الستينيات وتبدأ مصر مرحلة جديدة مع السادات، وأرحل مع قطار العمر إلى المدينة، طنطا بلد البدوى والمعهد الأحمدى والشوارع الجميلة والعمارة القديمة وحلم المدارس الثانوية والجامعة، المدرسة العسكرية التى تشكل انضباطا فى الحياة، ومواعيد قطار السكة الحديد فى ذلك الوقت والتى تصل فى موعدها لتعلمنا احترام الوقت والانضباط، محطات ثلاث تمثل نقلة هامة فى حياتى، يمتلئ عربات قطار العمر بأصدقاء جدد ويرحل منها البعض مفضلا البقاء بالقرية والفرار من رحلة التعليم الطويلة فى ذلك العمر، فلماذا ينتظر سنوات أخرى وينطلق البعض مغادرا القطار عائدا للقرية ليتزوج ويعمل بحقولها ونلقاهم مساءً فقط عندما نعود يوما مبكرين أو تبدأ إجازاتنا الدراسية.

نطل من نوافذ قطار العمر على قريتنا مساءً، ها هى تضاء بمصابيح الكهرباء أخيرا ها هو ملعب لكرة القدم ومركز للشباب، وتتطور المستشفى وليصبح بها مدرستان، القرية تتغير والمدينة تسرق أيامنا وبدايات الشباب وقصص الحب الجميلة بين رفاق القطار وخطابات الغرام المليئة بأغانى حليم وحكايات القطار، ولم يعد الأصدقاء هم أصحاب الدائرة الضيقة من أبناء القرية بل امتدت الصداقات إلى قرى ومدن أخرى وتشهد المحطات الثلاث الحدث الأهم لمصر ولأبنائها فينتصر الجيش المصرى فى حرب أكتوبر ونتحول شهور فى حياتنا إلى عمل فى معسكرات كشفية يتأهل فيها الشباب لرحلة الحياة ويزداد فيها الانتماء للوطن عبر لقاءات مع أبطال أكتوبر والعائدين للقرية من الجبهة حاملين معهم خطابات عن الفداء والتضحية.

قطار العمر يمضى ومن مدينة السيد البدوى إلى مدينة سيدى أبو خليل ومن الثانوية للجامعة، قصة أخرى ومشوار طواه أيضا قطار العمر.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز