البث المباشر الراديو 9090
أحمد سليم
ساعات ويغلق ملف عام مضى من العمر، ليبدأ عام جديد مع دقات 12 مساء، فولادة عام جديد فى العمر تعنى الكثير من لحظات البداية نفسها.

عام جديد يمن الله علىَّ فيه ببداية جديدة ويمنح فرصة أخرى للحوار مع النفس ومعاتبتها والحديث معها عما قدمت فى عام سابق، وأيضا عما تتمناه فى عام جديد، فرصة جديدة فى الحياة، تفتح فيها صفحات جديدة تخط فيها ما تشاء ومن آمال وأحلام.

تعودت أن أقضى هذه اللحظات وحدى مرات مع كتاب الله، ومرات مع هاتفى أطالع فيه الأسماء، وأتوقف عند اسم باغتنا ورحل، واسم جديد حل محله، أراجع هاتفى كم زادت الأسماء عليه وكم مرة على مدار العام تذكرت صديقا أو قريبا وتحدثنا فقط للحديث، وكم من البشر من تمنيت أن تمحوا اسمه من قائمة هاتفك ومن حياتك كلها، قضيت هذه البداية مرات مع البحر، كنت أحكى له الذكريات وأرميها فيه لعله يدفنها أو ينقلها لأصحابها أو يعيدها إلىَّ مع موجة جديدة، قضيتها فى منزلى بالقرية أحيانا وحيدا أجتر ذكريات مع أمى التى كانت أكثر الناس اهتماما بهذا اليوم فتحكى لى قصصا ربما أغلبها مكررا عن كيف استقبل أبى وجدى خبر مولدى، وكيف عوضهما وصولى عن رحيل شقيق أكبر لى رحل وعمره لم يتجاوز الأربعين يوما، تحكى لى عن أول مرة نطقت باسمها ولماذا اختارت لى اسمى، قضيته ذات مرة على الطريق، أوقفت سيارتى وجلست أفكر وكنت عند مفترق طرق ونظرت هذه هى الحياة كل لحظاتها مفترق طرق، لحظات جلست فى السيارة هل أعود إلى قريتى واستقبل فيها لحظات مولد عام جديد أم أعود إلى مدينتى لاستقبل فيها مولد العام، وما بين القرية والمدينة والماضى والمستقبل سار بى قطار العمر قاطعا كل محطاته العديدة من قريتى بالدلتا إلى مدينة طنطا، ومن قريتى إلى مدينة الزقازيق التى درست فيها عامين بالجامعة، كان أولهما بكلية الزراعة، وكانت رغبة أبى أن أتخرج مهندسا زراعيا ربما لأقيم بالقرية وأعمل بها، وربما كان الحال انتهى بى إلى صاحب مزرعة أو حديقة فواكه أو حقول لمحاصيل.

كيف كانت صورتى وأسرتى ساعتها لم أتخيل ولم أحب، ذهبت إلى كلية الزراعة والتقيت فى القطار بمجموعة من الأصدقاء عبد الحليم عبد الوهاب، وسامح عون، وآخرين، كان أغلبنا قد جاء إلى قطار الزقازيق عبر قطار التنسيق البغيض أو رغبات الآباء، عام كامل قضيته فى كلية الزراعة لم أفكر لحظة فى الاستمرار بها ولم أحتمل مواد دراستها فقد كان حلم دراستى أن أدرس علم الاجتماع وعلم النفس وهى أكثر المجالات التى قرأت فيها، وبعد أن مر العام ورسب بعضنا بجدارة توجه البعض إلى كلية التجارة وبعضنا إلى كلية الآداب والتى كانت وجهتى، ولأننا طلبة راسبون محولون فقد حكم علينا ألا نختار الأقسام التى كنا نريدها أو نحبها ولم يكن أمامى سوى تنفيذ رغبة الدكتور محمود ذهنى الذى اختار لى قسم اللغة العربية، وفيه وجدت ما أحب، الكتابة والشعر والرواية، وظللت عاما كاملا أحضر مع زملائى بقسم علم النفس وأيضا أحضر مع زملاء بقسم اللغة العربية، وكنت مغتربا عن المدينة فليس أمامى سوى حضور المحاضرات أيا كان القسم، ساعدنى ذلك أيضا على أن أنهل من منابع علمية وثقافية مختلفة، وكان قطارالخامسة والنصف صباحا هو وسيلتنا للوصول إلى مدينة الزقازيق، وكنا أبناء مركز السنطة أول راكبى القطار نتجمع جميعا زملاء وزميلات نحكى القصص والنوادر ونتناول الإفطار والشاى الساخن من بائع كان يعرفنا بالاسم ويعرف ذوق كل منا فى كوب الشاى الصباحى بالقطار، وفى إحدى رحلات القطار تلقينا خبر وفاة العندليب وأضربت سماسم بائعة اللب عن العمل وارتدت الأسود لأربعين يوما وظلت طالبات الزقازيق يبكين أياما عديدة الفنان الرائع ومطرب تلك الأجيال والمعبر عما كان يعيش بقلوبهم من مشاعر.

الزقازيق كانت محطة مهمة من محطات قطار العمر، اخترت فيها الكلية التى أدرس فيها، وبدأت فيها الكتابة بمجلة الكلية والقسم، وبدأت أيضا رحلتى مع عالم السياسة والأحزاب والصوفية، ورغم قصر توقف القطار بها إلا أنها كانت محطة فارقة فى حياتى.

وانتقل القطار مرة أخرى إلى مدينة البدوى حاملا بعض ذكرياتى وكتبى وشخصا آخر تحولت بعض اهتماماته ورؤيته.

وفى طنطا، قضيت بقية سنوات دراستى الجامعية، عدت مرة أخرى إلى قطار الثامنه صباحا والعودة فى قطار السابعة مساء، كبر الأخوة الصغار ورافقونا بالقطار، نسينا المشاجرات أو كبرنا عليها وتحولوا هم إليها وتحولنا إلى ناصحين، ازدحم القطار وتغيرت ملامح محطته وكنا 35 طالبا فقط بقسم اللغة العربية الذى يرأسه الدكتور عبد الرحيم زلط، ودرسنا فيه مادة العلوم السياسية، لا أدرى لماذا ولكنها أضافت لى الكثير وأتاح لى وجودى فى مكتب اتحاد الطلاب أن أتواجد فى أقسام الاجتماع وعلم النفس لأشبع هوايتى القديمه فى التعرف على كيفيه التعامل مع مختلف البشر ونمت هذه الدراسة لدى الكثير من طرق التعامل مع الآخرين.

سنوات الجامعه ربما كانت أجمل سنوات الدراسه فالأستاذ غالبا يتحول إلى صديق وأيضا إلى مصدر للمعرفة وبناء فى شخصيتك وتفكيرك، 3 سنوات أخرى درست فيها علوم اللغة العربية ودرست فيها علوم النفس والفلسفة والاجتماع لأتعلم منها، وفى نهاية الأعوام الثلاثة وقبل أن يبدأ قطار العمر السير إلى محطة جديدة كانت خطوتى الأولى فى عالم الصحافة والتى لعبت الصدفة فيها الكثير بعد أن انتهيت من الامتحانات فى طريقى للقطار، قررت أن أشترى أقلاما جديدة لا أدرى ولا أتذكر لماذا وبجوار إحدى المكتبات وجدت إعلانا لصحيفة الناس تطلب محررين ومراسلين، ذهبت إليها وفى نيتى أن أقضى هناك الوقت المتبقى للحاق بالقطار وداخلى رغبة دفينة فى أن أصبح كاتبا، وهناك التقيت بالراحل سيد وهبى، صاحب الجريدة، وأحد أهم مؤسسى الصحافة الإقليمية فى مصر، وكانت محطة مهمة رغم قصر الإقامة فيها تعرفت فيها على أصدقاء أعزاء نصر القفاص، ومحمد وهدان، ومصطفى محمود، وعاطف دعبس، وأحمد نجم، وسماح وهبى، ومنها انطلق قطار العمر إلى العاصمة حاملا معه آمالا كبيرة وخطاب توصية من قريب للراحل عبد الفتاح الديب وكان مديرا للتحرير بأخبار اليوم، ومايو، ذهبت مع القطار من الدلتا إلى العاصمة لأبدأ رحلة العمر، رحلة منَّ الله على فيها بالخير الكثير، عشت فيها الأحلام والآمال رحلة تستحق الكثير من الكتابة وتحمل الكثير من الأسرار عشت فيها حياة لا تقاس بالأربعين عاما ولكنها تقاس بعشرات الأعوام وتحمل آلاف الحكايات.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز