البث المباشر الراديو 9090
حنان صبرة
الأعياد فرحة بالتأكيد، منحها الله لنا لكى نبتهج بها ونتعلم كيف نفرح فى أيام، طقوسها الدينية وروحانياتها الجميلة تزورنا كل فترة لتضيف إلى حياتنا حياة.

مهمة هى أيام الأعياد، تجعلنا نصفو وننسى بعض من أثقال الحياة ومتاعبها ولو لفترة، تخلق حالة من الود بين الناس، فالكل يدعو لغيره بالخير والبهجة بتهانى العيد، الكل يهنئ مهما اختلفت العلاقات، قريبة كانت أم مجرد معرفة، فهى حالة من الصفاء وتبادل الود.

علمنا أجدادنا وآباءنا أن نفرح بالعيد وطقوسه، تراث جميل ينتقل من جيل إلى جيل، صنعوا لنا ذكريات بقيت معنا وعلمتنا أن نأخذ من العيد أقصى سعادته لننقلها معنا فى مشوار أيامنا، ثروة حب وود وسعادة تعمر قلوبنا صغار وتجليها وتريحها من متاعبها ونحن كبار نحمل من مسئوليات الحياة الكثير.. تتجدد فرحة كل عيد بهذه الذكريات التى نقشت داخلنا وحملناها معنا من بيوت أجدادنا وآباءنا ورسمتها ابتسامات وفرحة وجوه أهالينا يوم العيد فى لمة كانت فيها البيوت تتسع للجميع وتسجل جدرانها ذكريات أعمارنا.

مهم للغاية أن نهتم نحن أيضًا أن نصنع لأولادنا مثل هذه الذكريات، ذكريات ليلة العيد، تكبيرات وصلاة العيد، العيدية وملابس العيد ولمة العيلة صباح العيد، كلها طقوس نسعدهم بها ونفرح معهم وبهم ونشاركهم فرحتهم بها، كما فرحنا وشاركنا أهلنا صغار، مهم أن نرسم فى أذهانهم معنى العيد، كما رسمه الكبار لعمرنا صغار.

بالتأكيد نحاول جميعًا وإن اختلف الزمن واختلف معه شكل العيد ومظاهر احتفال كل عيلة كل بقدر اختلاف حياته وظروفه غير أن تراجع بعض العلاقات الاجتماعية وانتهاء بعضها لسبب أو آخر حتى بين أقرب الناس إذا ما تفككت الأسرة بالانفصال أو الطلاق- الذى تزايدت نسبته بشكل كبير مؤخرًا- وصار شبح هذا الزمان، عدو اجتماعى يهدد الأمان النفسى واستقرار وسعادة عدد مذهل من الأطفال فى مصر يقاس الآن بالملايين.

ملايين الأطفال يعيشون نصف فرحة عيد بعد أن أصبحت لمة العيلة - حتى العيلة الصغيرة- شبه مستحيلة، ملايين الأسر تفرض على أطفالها نوع من الانقسام فى الاحتفال بالعيد لا لسبب واضح غير أنهم قرروا أن يتركوا الخصومة تهدم كل ما سبقها من سنوات المودة.

تركوا العند يجعل أطفالهم قابلى القسمة على اثنين طول الوقت حتى وإن خلق ذلك تعاسة داخلية وإحساس دائم بالحيرة والحزن المكتوم داخلهم.. لا يسمحوا لأحد أن يقرأ ما فى قلوبهم أو مناقشته، يصمتون فى حالة استسلام لا يملكون غيرها بديل فى محاولة أخيرة منهم للإبقاء على الطرفين فى حالة وجود بالنسبة لهم وإن كان غير مكتمل.

قليلًا ما يقرر أحدهم أن يبوح بما يدور داخله خشية أن يكون سببا إضافيا من أسباب خلق نوع من أنواع الخلاف.. نادرًا ما يتحدثون لكنه هو ما حدث صدفة وشاهدته فى حوار غير دارج حول العيد بين إحدى صديقاتى وطفلها الصغير الذى يبلغ من العمر عشر سنوات، هو طفل من هؤلاء الملايين الذين لم يختاروا القسمة على اثنين ولكنها فرضت عليهم من أقرب الناس إليهم.. طلب من والدته أن يكون احتفاله بهذا العيد بينها وبين والده ولو لعدة ساعات صباح يوم العيد بدلًا من تقسيم اليوم بينهما، طلب ألا يوضع له الجدول المعتاد فى تقسيم أيام العيد بين أمه وأبيه فالتقسيم يحول العيد إلى مهمة وعبء ويجعل من فرحته واحتفاله بالعيد نصف حالة عيد.. طلب أن يجلس بينهما سوياً لتناول فطور العيد فى شكل عيلة مكتملة وإن كانت وقتية.

حوار دار أمامى واجهته الأم ببعض الصمت وكثير من التفكير فى كلام ابنها الذى لمحت أنه يحمل فوق عمره عمر، فى نظرة تظهر فيها التساؤلات وكثير من الحيرة، حيرة بين أقرب شخصين إلى قلبه أمه وأبيه.

قابلته ببعض الصمت ثم فكرت قليلًا وردت بعمل مكالمة تليفونية لوالد ابنها تلبى فيها طلب الطفل بدعوة الأب لمدة ساعتين صباح يوم العيد ليتناول معها وابنهما الفطور حسب رغبة الطفل الذى طلب بوضوح أن تكون هذه هى هدية العيد له، عيدية من نوع خاص.

فاجأنى فى البداية حماسها كما فاجأتها موافقة والد ابنها فى دهشة أيضًا، ولكن لم المفاجأة؟! فهى أم.. كأى أم كل هدفها فى الحياة أن ترى ابنها سعيد، تضحى دائمًا وتؤثر إحساسه بالسعادة على نفسها وسعادتها، كل أم تملك مقدرة خاصة على التنازل من أجل إسعاد أطفالها.

هذه قوة قد يفتقدها الكثيرون وإن كنت أتمنى أن يملكها الأغلبية منهم كما تمنيت أن يكون رد فعل الأب هو الطبيعى فى مثل هذا الوضع.

تمنيت أيضُا وحلمت أن يكون هذا العيد بداية وقفة مع النفس وإعادة التفكير فى المشهد وتغيير الموقف لكل أم وأب فى مثل هذه الظروف، فيصبح العيد فرصة لإقامة علاقة تعاون بينهما يقررها ويضع تفاصيلها الطفل وحده دون أن يقع فى دائرة تصفية حسابات لا ذنب له فيها، أتمنى أن يحيدا كل خلاف قديم وحسابات وأن تكون الأولوية للطفل سعادته وراحته النفسية حتى لا يتملكه شعور دائم بالغربة بين والديه، وألا ينسوا الفضل بينهم فى استكمال مشوار أبناءهم والوصول بهم إلى بر الأمان وإن كان نصيبهما معاً قد كتبوا له النهاية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز