البث المباشر الراديو 9090
حنان صبرة
مخيف جداً ازدياد نسب الطلاق فى المجتمع العربى، فى مصر تتصدر النسبة الأعلى "آخر الإحصاءات لبدايات عام 2019 وصلت حالات الطلاق إلى 4 حالات طلاق كل دقيقة"، أى أنها قد تصل أو تزيد على 250 حالة طلاق يومياً، ارتفعت نسب الطلاق فى الـ50 عاماً الماضية من 7% إلى 40% من حالات الزواج.

4 ملايين مطلقة و9 ملايين طفل عن حالات طلاق.

مؤشر مخيف بالتأكيد نتج عنه أيضاً أن تزايدت معه حالات العزوف عن الزواج أو عدم الرغبة فى الإقبال على خطوة الزواج وتأخر سن الزواج  بسبب الخوف والقلق من الوصول إلى هذه النهاية بعد الزواج.

نسمع يومياً عن قصص مؤلمة وحالات تزيد القلب وجعاً وخوفاً على مستقبل بناتنا فى ظل مناخ عام يسود فيه استسهال الشباب لفكرة الزواج والإنجاب ثم الطلاق.

تتعدد التحليلات والبحث وراء الأسباب ويرجعها البعض  إلى سرعة اتخاذ قرار الزواج، والبعض الآخر يتهم انتشار التكنولوجيا كسبب أو إلى زواج المصلحة أو بعض الأمراض النفسية أو الصحية التى تؤدى إلى فشل العلاقة الزوجية، وأحياناً أخرى إلى تدخل الأهل الزائد أو الخلافات المادية أو الخيانة، والحقيقة أنه يصعب معرفة من المخطئ ومن المصيب فى كل قصة فى مجتمع مازال يسوده فكرة تتمثل فى شباب يأخذ قرار الطلاق أحياناً لمجرد إحساسه بالملل أو أن حياة الزواج لم تلق إعجابه الكافى.

مازال مجتمعنا تحركه بعض المفاهيم والموروثات التى حان الوقت لمراجعتها حتى لا تزيد المشكلة تفاقماً، وتصبح كارثة مجتمعية تهدد فكرة تكوين الأسرة.. وأظن أنه حتى الآن لم يتطرق أى الباحثين الاجتماعيين، أو لم يملك أحدهم شجاعة التصريح بأن أهم أسباب الطلاق ببساطة هو "عدم القدرة على تحمل المسؤولية" من أحد الطرفين أو كلاهما، أى أنه قد يكون هو السبب الخفى الذى يؤدى إلى كل الأسباب الأخرى منفردة وأحياناً مجتمعة.

إنها "المسؤولية".. هى الأساس لإقامة علاقة زواج ناجح واستمراره.. والقدرة على تحملها والوعى والرغبة فى التعامل مع متطلبات الحياة بنضج واتخاذ قرار مسبق بإنجاح الحياة الزوجية أو الحياة عموماً.

تحمل المسؤولية يحتاج إلى وعى وتدريب وجهد من الأهل. فهل فكرنا كآباء وأمهات مسؤولين ودربنا أبناءنا وبناتنا على تحمل مسؤولية أنفسهم وقرارتهم منذ الصغر؟ هل اعتادوا عليها؟

مهم جداً لأنه لن يتحمل مسؤولية الزواج وتكوين أسرة جديدة إلا من يملك أولاً مقدرة تحمل مسؤولية نفسه، فالزواج ليس علاقة عابرة ولا تجربة قد تصيب أو تخطئ، ليس فسحة وسهرة تخضع لفكرة الملل واستسهال التغيير.. هو  فى الأصل مسؤولية تكوين أسرة وارتباط مدى الحياة إلا فى حالات الضرورة القصوى فهو أبغض الحلال عند الله .. أما ما يحدث هذه الأيام، فهو ما يختصره البعض فى مجرد "علاقة عابرة" أو "نزوة" ويجعل الهروب ملاذه الأول مع أول مشكلة أو اختبار فى الحياة أو قد يكون استصعاب للحياة مع إنجاب أول طفل، فلا مسمى مناسب هنا للهروب منه بالطلاق إلا أنه "اللا مسؤولية".

والمسؤولية هنا تقع على كل أب وأم منذ إنجاب أطفالهم أن يعدوا أولادهم وبناتهم  أن يصبحوا أزواجاً وزوجات قادرين مسؤولين فى المستقبل، كم أم وأب يملكوا الوقت والقدرة على تربية أولادهم مجتمعياً، ويهتموا قدر اهتمامهم بما وضعناه أولويات أكثر أهمية عن التدريب على الحياة بمسؤولية؟ 

تحمل مسؤولية النفس ليس رفاهية ولا اختياراً.. بل هو ضرورة، واجب مجتمعى على نطاق الأسرة، ثم يتسع ليشمل المجتمع الأكبر بالتعامل مع الحياة خارج الأسرة.

‎المسؤولية أساس لا يمكن تأجيل تعليمه للولد والبنت سواء، لا يمكن أن نتركه للظروف بحجة أن الأولاد مازالوا صغار يجب أن يبدأ ويغرس فيهم منذ الصغر لينمو ويكبر مع عمرهم ويزيد الاعتياد عليه بالوقت لخلق شخص سوى مسؤول ينمو فكرياً مع نموه الجسدى، لا يمكن أن نؤجلها لوقت لاحق لنصحو يوماً نطالبه بها وبتطبيقها فى حياته تجاه نفسه وتجاه الآخرين دون تدريب وممارسة عملية، لا يمكن أن نطالبه بتحمل مسؤولية قراراته فى الكبر دون أن يتعلم ويخطئ ويتعود على اتخاذ القرار وتحمل مسؤولية نتائجه منذ الصغر تحت إشراف منا، ففى الصغر دائماً تكون القرارات بسيطة وحجم الخطأ مقبول والعواقب ليست خطيرة تحتمل ويكون أيضاً التوجيه أسهل، إنما إرجاء التجربة لوقت لاحق قد يؤدى إلى كوارث مصيرية، فالقرارات تكون كبيرة وعقباها خطير.

‎أحيانا نستسهل وأحيانا عن قلة خبرة، فنتصور أننا بذلك نحبهم أو نشفق عليهم من المسؤولية المبكرة، ولكننا لا ندرك أننا نظلمهم بألا نقدم لهم التدريب الكافى على مدار عمرهم على حسن اتخاذ القرار وتحمله، ليس فقط نظلمهم، بل ونظلم شركاءهم فى رحلة الحياة مستقبلاً.

‎الموروث السائد والأكثر تطبيقاً فى المجتمعات العربية دائماً يهتم بتدريب البنت أكثر من الولد على تحمل المسؤولية، وكأنها يفترض أن تكبر وتعيش فى المجتمع دون الحاجة إلى شريك يجب أن يكون هو أيضاً مسؤول، نحملها كيف تكون مسؤولة عن نفسها وعن المحيطين بها، إذا استلزم الأمر،  وننسى أن ندرب الولد على نفس الإحساس بالمسؤولية!

‎نكرر دائماً أن البنت هى المدللة ولكننا نخطئ فى الاتجاهات وندلل الولد أكثر بحجة أنه سيكفيه ما سيواجهه من مسؤوليات وأعباء عندما يكبر، ولكن هل فكرنا للحظة كيف سيتحمل هذه المسؤولية من دون تدريب كافٍ؟ كيف سيحمل المسؤولية وهو مدلل هش غير واعٍ؟! لم ندربه حتى أن يخطو فى الحياة بدراية كافية بواجباته، علمناه فقط حقوقه بينما علمناها واجباتها!

‎لقد تم عكس الصورة فى مجتمعاتنا العربية دللناه وعودناها تحمل المسؤولية، فساهمنا ومازلنا نساهم فى خلق مجتمع غير متوازن، علمنا الفتاة منذ الصغر كيف تكون امرأة مسؤولة عن بيت، غرسنا فيها المعنى ودربناها على حجم المسؤولية وأصلناه داخلها، بل وربما حاسبناها مسبقاً باعتبار ما سوف يكون، دون أن ندرب شريكها على نفس المهام والمسؤوليات منذ الصغر، علمناها معنى الأمومة وتركنا الشباب يمرحون خارج المنزل يغرقون فى تفاصيل الشارع ويتعلمون سلوكياته.

‎علمناها مسؤولية العمل وتركناه يمرح!

ثم نتباهى أن البنت أصبحت بمائة رجل! أى رجل نقصد؟!

هل كنا نريدها رجل أم كانت هى الأسهل والأكثر قدرة واستجابة لنا فى تعلم معنى المسؤولية فتحملت المسؤولية، التى تنصل منها الرجل، نيابة عنه؟

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز