البث المباشر الراديو 9090
حنان صبرة
تهل علينا نسمات خريف سبتمبر فتذكرنا بتفاصيل طفولتنا الجميلة داخل أسوار مدارسنا، أيام كانت تحمل معها تفاصيل زمن كانت أهم سماته الرقى والاحترام والذوق، لمسناها أنا وجيلى فى تفاصيل يوم دراسى جاد لكنه ممتع.

دقات أجراس المدارس القريبة من بيوتنا صباحًا تدق لتعلن بدء كل يوم دراسى، أيام تمتلئ بالأحداث والمسئوليات والتفاصيل ولكنها كانت أكثر تنظيمًا تناسب قدرات الصغار، فى مدرستى كما كل المدارس الأخرى، كان جرس الصباح يسبقه بعض الطقوس يبدأ اليوم بطابور الصباح وتحية العلم بعد سماع السلام الجمهورى.

خطوات لبدء اليوم كانت فى مدرستنا مصحوبة بتحية صباحية من مديرة المدرسة السيدة ماجدة موسى "نفس الطقوس كانت تحدث فى معظم المدارس" تطل مِس ماجدة من نافذة مكتبها تلوح بيدها وتبتسم لنا لتحيتنا تحية كل صباح ابتسامة حنونة ولكنها حازمة تعكس اهتمام بنا ولكنها تذكرنا بمسئولياتنا اليومية تجاه المكان "المدرسة" وتجاه كل فرد نتعامل معه فيها "مدرس، زميل، مساعد أو عامل يقوم على مساعدتنا".

تقف فى طابور المدرسة الصباحى تشاهد انضباط الجميع فى تحية العلم بطلتها اليومية علينا فتعطينا الأمان والقوة معًا وتحملنا مسئولية التعامل مع تفاصيل يوم مثقل بالعمل والنشاط فيتضاعف بوجودها معنا هذا الحماس ويملأ قلوبنا الصغيرة أمل فى بدء كل يوم جديد، لا أذكر أنها تكاسلت يوم عن تجديد هذا الحماس، وكأنها بطلتها هذه تذكرنا يوميًا بقانون التعامل مع المدرسة وداخلها وهو "احترام النفس واحترام الأخريين" وتعيد أيضًا علينا حرف حرف من اللغة الوحيدة المسموح بها والمقبولة داخل حدود أسوارها وجدرانها وهى "الإلتزام والرقى فى التعامل".

أشاهد الصغار صباحًا الآن وهم ذاهبون للمدرسة محملين بالمسئوليات والتفاصيل اليومية المرهقة، ما يشغلنى عليهم فى هذه المسئوليات هو المسئولية الاجتماعية، المسئولية التى توضع على عاتقهم فى علاقات مختلفة يفرضها عليهم تفاصيل يومية للتعامل مع من داخل المدارس وللأسف هذه الأيام لا يوجد لها قوانين محددة، خصوصًا فى زمن تتحكم فى تفاصيله صفات مجتمع تائه يفتقد التمسك بأصوله، ضاعت لغته وثقافته بالوقت دون أن يدرى الجميع فجعلته هش مرهق ومتعب من أن يعلم أو يتعلم ليفرز ما يناسبه ويترك ما غير ذلك.

زمان لم يكن الأمر بكل هذا التعقيد، فلم تكن تفرض علي الصغار تصنيفات سطحية حاصرت المجتمع الآن عن عمد وجهل معًا، كان مجتمع المدارس غير مثقل بالمتناقضات الاجتماعية الصارخة وأكثر رقيًا.

المدارس لم تكن مرهقة اجتماعيًا، كانت بخبرة مدرسيها وإدارتها تفصل مجتمعها خلف أسوارها عن باقى تفاصيل الحياة خارجها، وكانت أكثر جدية وقدرة على تنفيذ ذلك، كانت تربى وتثقف قبل أن تعلم فتساعد على سد فجوات تنتج عن سلوكيات تحدث فى المجتمع الأكبر خارجها، تملك القدرة والصبر على خلق نشء جاد متزن أكثر وعيا.

كان ضمن أهدافها وضمن شهادة ضمانها اختيار المدرسين ذوو خبرة تربوية وتعليمية مثقفين لا تحكمهم مصالحهم الشخصية موهوبون فى المنظومة التعليمية بوضوح، يملكون موهبة تقديم نموذج عملى يحتذى به الجميع فى احتواء الصغار دون التخلى عن الانضباط والاحترام المتبادل، كانوا يحترمون الصغار فيبادلوهم هم كل الاحترام والتقدير، علاقات راقية متحضرة لأن صفاتهم كانت صفات الكبار فأصبحوا للجميع قدوة، علمونا أن احترام الكبير الصغير واجب اجتماعى ليتعلم كيف يحترم نفسه ويحترم غيره.

كانت الأحداث داخل أسوار المدارس فى معزل مقصود عن أحداث المجتمع وتقلباته وتغييراته ومستجداته اليومية التى وضعتها السوشيال ميديا وفرضت على الجميع الصغير والكبير الانغماس فى تفاصيلها، لعبت المدارس دور "الفلتر" من شوائب المجتمع كله فنجحت فى حماية النشء الجديد.

الآن للأسف أصبحت المدارس مرآة لسلبيات المجتمع يعكسها الصغار دون وعى أو إدراك ولا حتى توجيه كاف، وينقلوها بتلقائية يوميًا فى معاملاتهم وأظن أنه وجب الانتباه إلى أهمية دور المدارس وتأثيرها وتأثرها اجتماعيًا، وأن تعود بيتا للتربية والتعليم وليس مصنع لفساد الأخلاق والبزنس.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز