البث المباشر الراديو 9090
حنان صبرة
كانت جدتى تحكى لى الكثير عن ملامح زمانها، زمن كان الرقى عنوانه، رقى يكمن فى بساطته ورضا ناسه وشبع نفوس أهله.

حكت لى أن الكل كان يرضى، يرضى عن نفسه ورزقه ونصيبه من الحياة باقتناع بالمقسوم، كان قانون "الرضا بالمقسوم عبادة"، عن يقين وحب فى الله وليس عن ضعف أو قلة طموح فى الأفضل.

كان الناس يسعون بهمة، ويرضون بحصاد سعيهم، ويحبون تفاصيل حياتهم الصغيرة كما هى، ويعشقون التفنن بتجميلها فى أعينهم فيرضون بها.

كان البسيط راضى وسعيد ولا ينظر إلى ما لا يملكه، وكان الغنى أيضًا لا يرهق نفسه وحياته بمقارنات تفسد عليه متعة الحياة وتدخله فى سباقات اجتماعية مستمرة تطبيقاً  لنظرية "هل من مزيد".. كما يحدث الآن!

أنظر إلى الحياة حولى وأتأمل فلا أجد أى بقايا لما حكت عنه جدتى عن فضيلة "الرضا"، التى كان يفترض أن تظل على الأقل بقاياها موجوده فى مجتمعنا كامتداد طبيعى لما عاشوه جدودنا.

المجتمع هو المجتمع، ولكن للأسف طمس الزمن الكثير من ملامح ما حكته، وكأن الموروث الحالى جاء من أصول غريبة عنا، تنفصل تمامًا عن ماضينا وتراث مجتمعنا.. أو كأن ناس اليوم نمت وكبرت فى مجتمع آخر غير ما خلفه جيل أجدادنا!

إن  الوصف النادر لبعض حالات "عدم الرضا" الذى ذكرته عندما كانت تتحدث عن تغيير طرأ على المجتمع فى أواخر أيام جيلها واعتبروه وقتها حالات فردية ووصفوه بـ"المخيف"، أصبح للأسف هو السائد فى زماننا الآن.

أصبح ما ينتشر بقوة هو حالة عدم قناعة وعدم رضا بما فى اليد من نعم سواء كثرت أو قلت فلم يعد يهم، المهم  أنه للأسف لم يعد أحد يكتفى بما فى يده إلا من رحم ربى.

إذا كان هذا هو الحال الآن فأين ذهبت القلوب والملامح الراضية، ولماذا اختفى ما ليس بقليل منهم من حياة جيلنا؟

كل ما ألاحظه الآن مجتمع غير سعيد، كلٌ ينظر إلى غيره ويشغل كل وقته بتقييم غيره لا لكى يتعلم منه أو يقتدى بنجاحه بل لكى يقارن للأسف، فلا يجد حتى الوقت الكافى ليتفقد تفاصيل حاله هو بحلوه ومره، ويدرك قيمة النعم التى وقعت بين يديه فيرضى بها وعنها ويشكر ربه.

نقمة "عدم الرضا" أصبحت آفة هذا الزمان، هوس حل فأفسد متعة الحياة للكل.. حالة قبح إذا تركناها تتسلل لوجدت الطريق سهل لخلق حالة غل وكراهية وحسد وحقد  تفسد الحياة أكثر وتهدد بالوقت الأمان النفسى والاجتماعى لمجتمع بالكامل.

النفوس لا تشبع.. وبات بعضها بالتالى لا يحب الخير لغيره وكفى! بل يتفنن أحيانًا بإفساد سعادة وحياة الآخرين دون سبب منطقى واحد غير ما يسيطر عليه من عجز فى قلبه، ففقد بذلك إنسانيته وسموه النفسى والأخلاقى وتمكنت منه العشوائية والكراهية.

السؤال الآن: هل هذا ما نرضاه لأنفسنا وأولادنا أم أنه قد حان الوقت لننقذ ما تبقى لنا من إنسانية ونبدأ فورًا بحملة لتطهير النفوس من شوائبها؟ حملة رضا بالنفس وعنها تستكمل به معنى السلام الداخلى بالقلوب وتعمل على إصلاحها وتحسينها إذا احتاج الأمر ذلك.. حملة نبدأها الآن حتى نساعد جيل الصغار على أن يرثوا ميراث حسن من الرضا والقناعة ينفع قلوبهم وحياتهم مستقبلاً ويعلمهم أنه بالرضا وحده تخلق وتنمو السعادة بالقلوب، وأنه هو الأساس لحياة سوية.

هل نبدأ؟

الاختيار متروك للجميع!

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز