حنان صبرة
هذا الصخب الذى لم يميز تفاصيله بعد فيوتره ويجعله لا يشعره بالهدوء الكافى المعتاد داخلك، أو ربما يشعر أنه بعيد قليلًا عن دقات قلبك التى عرف الراحة والنوم على أنغامها طوال التسعة أشهر السابقة، لا تلوميه أبدًا على إحساسه الصغير واحتوى فترة التأقلم فى ساعاته الأولى فى الحياة، هو معذور فهو يفتقد حياته داخلك منعم بكل أحاسيس الأمان والاحتواء، نعم هو حينئذ يكون قد أدرك بالفعل كل معنى للاحتواء ويرفض لذلك منذ اللحظة الأولى له فى الحياة الخارجية أن يفقد ما حصل عليه من إحساس بالطمأنينة من قبل، ولا يصبح من السهل عليه أن يتأقلم على العالم الغريب الجديد المجهول بالنسبة له فيوتره!
لذا لا تستمعى أبدًا إلى النظريات المستحدثة فى التربية و التى يقول بعضها "اتركيه فى مهده يبكى ولا تلتفتى لبكائه طالما شبعان"، ثبت تعارض هذه النظرية مع الصحة النفسية للطفل لأنه يشعر ببساطة أنك تتخلى عنه، قد يكون غير جائع ولا يعانى من ألم فعلًا لكنه يبكى لأنه يريد حضنك واحتوائك له من جديد، يريد أن يطمئن ويرتاح بين ذراعيك الآن فهم له الدنيا والأمان من هذا الهواء الجديد عليه.. هم له الدنيا التى يعرفها ويحبها.
فالاحتواء هو أول إحساس يصل إليه ويحسه بدقة ويأمن وجوده، مهمتك صعبة إذن أن تساعديه ألا يفقده الآن، والحقيقة أنها هى ليست مهمة قصيرة المدى تستمر لشهر أو اثنين لعد ولادة طفلك، بل هى مهمة مدى الحياة، العمر كله تبقى الأم وحدها هى مصدر الاحتواء لطفلها، هو يشعر به مع كل ضمة منك إلى القلب، مع كل حضن، وينمو إحساسه بالأمان كلما زاد إحساسه باحتوائك له.
إنها رحلة عمر تملكين أنت وحدك مفاتيح نجاحها، تبدأ بالقدرة على احتواء صراخه وبكائه طفلًا ثم تتوالى المواقف مع اختلاف المراحل باحتواء الأفكار والاختلافات والتغييرات والتقلبات فى سنين العمر ومراحله المختلفة، هى مهمة الأم الأولى تجاه طفلها تبدأ منذ أن تأتى به الممرضة لتلقيه فى حضنك بعد الولادة بساعات يكون هو خلالها بالفعل قد افتقد حضنك ويريد حبك وضمتك له من جديد.
احضنى طفلك صغيرًا وكبيرًا وفى كل مراحل نموه، أنه خطأ كبير أن نتصور أن فى مرحلة ما من عمر البنى آدم هو يستكفى أو يستغنى عن الاحتياج لاحتواء أمه له، علميه معنى الحب والاحتواء صغيرًا لكى يحتوى تغييراتك عندما تكبيرين، ضميه ولا تتخلى عن حضنك له رضيعًا وصغيرًا لتجديه حضنك عند الكبر.
وهل تعلمى أيضًا أن فى حضنك لطفلك إشباع لأمومتك وأمان لك أنت أيضًا، هل تعلمى أنه كما يشعر طفلك وهو فى حضنك أنه يعود للحظات لإحساسه الأول بالأمان الذى طالما اعتاده داخل بطنك، كذلك جسدك أيضًا يشعر بنفس الرغبة باحتوائه داخله بحضنك له، إنها لغة لا يفهمها غيركما وسر لا يعلمه غيركما فقط أنتى وطفلك، وزى ما جدودنا قالوا زمان وصدقوا "فعلا البطن بتحن لأولادها" إنها حقيقة مجربة مهما كبروا وعدت السنين وظننا أنهم لا يحتاجون ضمتنا لهم زى زمان، الحقيقة أنهم يحتاجونها أكثر كل يوم مما قبله، ونحتاجها نحن أكثر منهم!