البث المباشر الراديو 9090
حنان صبرة
الحياة اختيارات، كل منا دائما يختار ما يناسبه ويختار طريقه حسب قناعاته وموروثه الشخصى والبيئى.

نختار ما نحب، ما يسعدنا وما يشعرنا بالأمان والراحة، وعندما نصبح مسؤولين كأمهات أو آباء نختار لأطفالنا فى سنوات عمرهم الأولى ما يناسبهم بشكل كبير حتى يشتد عودهم ويصبحون يملكون القدرة على الاختيار، وأيضا على النقاش والإقتاع أو الاقتناع حتى يأتى الاختيار سليم.

لكن متى يجب أن يحدث ذلك؟ متى نترك لهم الاختيار الكامل لأسلوب حياتهم؟ متى نرفع أيدينا عن حل مشاكلهم؟

فى الصغر تكون بعض اختياراتنا لهم أو معهم غير محسوسة لأنها فى الغالب تكون تلقائية تندرج فى نطاق المسؤولية فى حياة وطريق يمشون فيه معنا خطوة بخطوة، باختصار فى الصغر نحن نضع الإطار العام لحياتهم ونتصرف لهم وعنهم.

ولكن كيف يكون الحال عندما يشتد عودهم؟ متى نتخذ القرار بأن نرفع أيدينا ونترك لهم الاختيار والتصرف الكامل فى حياتهم؟ وإن حدث ذلك فإلى أى مدى نتركهم؟ وهل لا نساعدهم نهائى؟ وهل ترك الاختيار لهم فى سن مبكر صحى وصحيح.. أم من الأفضل أن يحدث ذلك بشكل تدريجى حسب الخبرة والنضج والسن؟

هناك نظريتان فى الحياة وفى التربية واحدة تميل إلى وضعهم فى محك مباشر مع الحياة بكل مشاكلها وصعابها وصدماتها منذ الصغر عن اعتقاد أن هذا يقوى مناعتهم ضد الحياة التى تزداد صعوبتها يوم بعد يوم، عن قناعة فى هذه الحالة يجب أن يعرفوا ويفهموا كيف يحلوا مشاكلهم بنفسهم لأن الحياة صعبة وليست ممهدة لأحد ولا بسيطة!

وهناك مدرسة أخرى تتبنى فكرة أن نقف دائما فى ظهرهم عند التعرض لأى مشكلة فى السنين الأولى من العمر لا لحل المشكلة لهم أو التصرف بالنيابة عنهم، ولكن لتقديم النصيحة والتوعية بالنقاش والحوار ومناقشة وجهة النظر السليمة فى حل المشكلة، وترك لهم أكثر من حل أو اختيار كوسيلة غير مباشرة منا لتقديم طرق للتعامل معها وحلها.

هذا الطريق هو الأصعب على الأهل لأنه يتطلب منهم وقت وجهد أكثر لأنه يجعل الأهل فى حالة تفاعل دائم مع كل صغيرة وكبيرة فى حياة أطفالهم، هو الأصعب ولكنه أيضا الأكثر متعة، قد يكون الأطول فى الوصول إلى فكرة الاعتماد الكلى على النفس، ولكنه من وجهة نظرى الأنجح لأن وقت الوصول إليه يكون الطفل قد اكتسب جزء من النضج بشكل تدريجى بتوجيه الأهل غير المباشر، وهو ما يساعده على مواجهة الحياة دون ضغط نفسى يتحمل به فوق طاقته قبل الأوان.

حتما متابعة الكثير إن لم يكن الكل فى حياة أبنائنا شىء ليس بهين، ويحتاج إلى قدرة كبيرة على محاولة التفكير معهم واستيعاب وجهات نظرهم النابعة من أعمارهم الصغيرة وخبراتهم القليلة.

الصعوبة هنا فى كيفية دمج كل هذا بخبراتنا ككبار دون أن نملى عليهم آراءنا أو نفرض عليهم وجهات نظر أكبر منهم، لكن الصعوبة ليست بالغة إذا اقتنعنا أنه لا يوجد فى الدنيا أمتع من أن نعيش كل صغيرة وكبيرة فى حياة أطفالنا، ونسندهم ويسندونا، ونستمع إلى وجهات نظرهم فى مشاكلنا، ونناقشهم ونشرح لهم لكى تكون الأفكار أقرب عندما يأتون لنا بمشاكلهم.

قد يبدو هذا الاتجاه غير معاصر للنظريات المستحدثة فى التربية أى الأقدم أو الأكثر كلاسيكية كمدرسة، ولكنه وهو أيضا ما يراه علم النفس الأكثر صحة نفسية الطفل، لأنه يخلق طفل يشعر أكثر بالأمان وينمو أكثر قوة وثقة على المدى البعيد لأنه ببساطة يجد "السند" فى الحياة الذى يساعده على تكوين قناعاته ومفاهيمه بشكل تدريجى غير مباشر، بل وأيضا يخلق رصيد إنسانى مكتمل بداخله يكون بمثابة حائط صد قوى ضد أزمات الحياة فى الكبر على عكس البدء فى مواجهة الحياة منفردا فى الصغر فهو يستنزف من رصيد غير مكتمل يضعف من قوته على الحياة مستقبلا ويجعله متخبط من كثرة التجارب واختلافها دون خبرة كافية لأنه هو الأسرع فى فكرة الاعتماد على النفس ولكنه هش لن يبقى طويلا.

من الأفضل التدرج فى تعويد الطفل الاعتماد على النفس بشكل تدريجى وحسب ظروف كل مرحلة، ولا يجب أن يحدث فجأة ويطبق كأمر مسلم به.. فيحدث صدمة وقد تأتى النتائج عكسية.

السؤال المهم هنا هل نحن مستعدون أن نكون دائما السند لأطفالنا  فى كل الظروف حتى نساعدهم أن يكبروا واثقين أقوياء؟ والأهم: هل يمنحوننا هم هذه الفرصة فى هذا الزمن؟

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز