حنان صبرة
كم أب يفهم حروف ومعانى هذه الآية، ويعمل عليها.. كم أب يعرف أنه وهب أبنائه ليكون لهم قيمة وقامة، وأنه فى حياتهم هو أول من يترك الأثر والبصمة، وعليه اختيارها إن كانت بصمة سعيدة أم تعيسة.
كم أب يدرك أنه قيمة لا يمكن أن تقدرها موازين، ولا تصفها حروف، مهما كتبت من عبارات فى وصفه كأب، ومهما وصفت تفاصيله القصص الإنسانية.
كم أب يملك قلب الأب الطيب الذى هو خير رزق من الله، يهبه فقط لمن يحبه ويميزه فى الدنيا، هو أهم رزق يجب أن يسعى عليه لكى يملك بصيرة وقلب طيب يحثانه دائمًا أن يكون لأولاده الأب صالح فهى هبة رائعة من المولى عز وجل يهبها فقط لمن يرضى عنه، ولمن يسعى إليها أيضًا فهى بمثابة طريق ممهد للجنة، يضعها الله تحت قدمى الأب، فالجنة لن تميز بين أم وأب، كلاهما يقوم بدوره بحب وعلى أكمل وجه مع أولاده.
كم من كلمات مأثورة عبر الأيام وصفت وعبرت عن معنى وقيمة الأب لتكون بمثابة رسم لطريق ممارسة الأبوة تتوارثها الأجيال، قيل مثلاً إنه:
"حين تغفو جميع القلوب لا يغفو قلب الأب".
"إنّ الأب مثل الروح، عندما تخرج يتهاوى الجسد".
"لا يقلق من كان له أب، فكيف بمن كان له رب".
"حين يعطى الأب ابنَه يفرح الأب والابن معًا، وحين يعطى الإبن أباه يبكى الاثنان".
"الأب هو الوحيد الذى لا يحسد ابنه على موهبته".
"يعتنى الأب بعشرة أطفال، ولكن يعجز الأولاد العشرة أن يعتنوا به".
"من لا يستطيع أن يقوم بواجب الأبوة، لا يحق له أن يتزوج وينجب".
ولكن أى أب وصفته هذه العبارات؟
هنا أتوقف عند هذه العبارة الأخيرة، لأنى أرى للأسف أنها تمثل شريحة لا يستهان بها من الآباء فى أيامنا هذه، أسمع قصص تبكى قلوب الكبار على صغار لا ذنب لهم فى الدنيا غير أن الأب يغفل تمامًا دوره كأب، ومهمته تجاه أولاده، وينقض فيهم عهده مع الله فى العمل المتقن على راحتهم وصحتهم النفسية.
أرى آباء ينتقم بعضهم من الأم فى أطفاله بالهجر والتهاجل، وأرى من ينفذ فيهم العند من زوجته أو طليقته ليشبع رغبة القوة والسيطرة داخله بحرامنهم جميعًا من مسؤولياته التى فرضت عليه، لا تنهيها ورقة طلاقه للأم، ولا يمحوها زواجه أو إنجابه من أخرى.
أرى استهتارًا من البعض الآخر بمشاعر وقلوب بريئة لا تفهم حسابات الكبار التى تزيدها الحياة تعقيدًا.
القصص كثيرة وموجعة للأسف.. قصص لا يدرك أصحابها من هؤلاء الآباء أن العقوق كما جعل الله له عقاب عندما يكون من الإبن للأب، جعل نفس العقاب أيضًا للأب حين يفرط فى حق أولاده، فهو يضع نفسه فى مرتبة "الأب العاق" لأبنائه بتركه وإهماله لهم.
فقيل إن "أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه"، والعكس طبعًا صحيح أبر البر أيضًا أن يرحم الأب أولاده، وأن يكون لهم نعم الأب والقوة والسند الحقيقى لكى يبنى أبناء أقوياء مطمئنون فى الدنيا، وقادرون عليها وعلى صعوبتها.
حبه وحنانه واحتوائه وتضحياته هم من يجعلوه أول بطل فى حياة أبنائه، وأول حب فى حياة بناته فهو الحضن الآمن لهم، ولكن كم أب نراه يقوم بدوره بحب ولا ينتظر مقابلاً غير فرحة يراها فى عيون أولاده تشعره بقيمته ونجاحه فى مهمته الصعبة؟
وكم أب يحلم من قلبه بأن يكون أولاده أفضل منه فى كل مجالات الحياة ويمنحهم الوقت والخبرة لتحقيق ذلك؟
وكم أب يقرر أن يصبح هو الأمل والأمان الذى لا ينتهى فى عيون أولاده منذ اللحظات الأولى لهم فى الحياة؟
كم أب يتمسك بمكانته فى حياة أولاده، ويغير عليهم أن يأتى مكانه أحد، ويقرر بإصرار ألا يأخذ مكانته فى قلوبهم أحد مدى حتى ولو انهارت الأسرة؟
لا أنكر أن الغالبية حولنا هم الآباء الحقيقيون الأسوياء، ولكن للأسف الاستثناءات أينما وجدت تكون موجعة جدًا ومؤلمة للجميع.
لذلك وجب علينا أن ننتبه ونحن نربى أبناءنا أن نؤهلهم أن يصبحوا آباء حقيقيون لأبنائهم إذا ما منحهم الله رزق الإنجاب فى المستقبل، وأن نحاول بقدر الإمكان أن نكون لهم خير قدوة فى ذلك.
الكلمات موجهة لكل أب فى غفلة!