البث المباشر الراديو 9090
الكاتبة شيرين فتحي
من المؤكد أن الأسرة لها الدور الأكبر فى تشكيل وعى وشخصية الإنسان، ويلى ذلك المدرسة، والمؤسسة التربوية، ثم المؤسسات المدنية فى المجتمع، لتضيف إلى شخصيته وخبراته خبرات أخرى قد تتلاقى مع مخزونه الفكرى السابق من الأسرة، وقد تتعارض معه.

لكن كل ذلك يتغير بمجرد أن يأخذ الإنسان قراره بالوعى الذاتى، إذ يصبح هو صاحب الدور الرئيس فى البحث عن الحقيقة فى كل مجال، واعتناقها فكريًا، وشعوريًا، وسلوكيًا.

كنت أبلغ من العمر 11 عامًا، وأنا فى الصف الأول الإعدادى، كانت مدرستى فى القبة الفداوية بميدان العباسية، وكان فى الميدان دومًا بائع جرائد، وكان والدى ـ رحمة الله عليه ـ يطلب منى، يوم الأربعاء من كل أسبوع، أن أشترى له جزءًا من كتاب إحياء علوم الدين لأبى حامد الغزالى، وكان ثمنه واحد جنيه وربع فقط، حيث كان الكتاب وقتها يصدر على أجزاء أسبوعية، وكان والدى يسهر كل ليلة بعد قيام الليل وقبل نومه ليقرأ ما تيسر له من الكتاب على مدار الأسبوع حتى يأتى الجزء الجديد وكأنه ينتظر منى هديته الأسبوعية.

كنت أتعجب من تصرفه، وأسأل نفسى لما كل هذه الفرحة المرتبطة بقراءة كتاب؟.. كان أيضًا يسمع ـ الست ـ أم كلثوم يوميًا فى الراديو، من الساعة التاسعة وحتى الـ 10 مساءً ويدندن معها.

أتذكر ذلك الموقف جيدًا وبالأخص فى شرفة البلكونة، ونسمة الهواء الرقيقة تهفو علينا فى عز حر الصيف، وهو منسجم مع الألحان، كنت وقتها مجرد متفرجة لا أعى مايحدث، فما كان يشغلنى سوى مذاكرتى وكتبى، وفسحة كل أسبوع، ولكني كنت أنظر له بتعجب شديد!.. ومرت سنتين وأنا أراقب مايفعله أبى فى حياته من قراءة واستماع للموسيقى وكتابة بعض الأشعار، التى كان ينتهى منها، ثم يرددها لأمى، رحمة الله عليها.

فى الصف الثالث الإعدادى رأيته يقرأ كتاب رباعيات صلاح جاهين، ومن بعده لبيرم التونسى، ثم لسيد حجاب، وكان يوجد فى مكتبته الأعمال الكاملة لفاروق جويدة، وإحسان عبد القدوس، ونجيب محفوظ، لقد كان أبى يحفظ نصف القرآن الكريم، ويقرأ فى صحيح البخارى.

لما انتقلت إلى المرحلة الثانوية، وكان لايوجد غير قناتين فقط فى التليفزيون، الأولى والثانية، ولا يوجد إنترنت، وكانت خروجاتنا محدودة اتجهت أنا أيضًا لسماع الموسيقى، والقراءة، ولكن حفظت أول أبيات من شعر والدى، وكانت عن فلسطين، قال فيها:"انتفاضة بالحجارة خلت النايم يفوق.. كل طوبة تبقى عصره فى وسط حلقومهم خازوق.. كل طوبة تصبح رصاصة نارها بتسد الشقوق .. طوبة يحملها صغير بين إيديه تصبح قنابل".

ربانى والدى على أهمية القضية الفلسطينية، وأن القدس عربية لا محالة، وأن اليهود أعداء لنا، وانفصلت فترة عن والدى فى المرحلة الثانوية بأفكارى، واتجهت لسماع الموسيقى، فكنت أعشق على الحجار، وهو يغنى لـ سيد حجاب، وكنت أحب فرقة الأصدقاء، وألحان عمار الشريعى، وصوت عمر فتحى، ورقص فرقة رضا، وأفلام عادل إمام، وإسماعيل يس، وصوت فريد الأطرش، ونعومة شادية، ورقة نادية لطفى، ولطف صلاح ذو الفقار، ومباريات التنس العالمية، وكنت أراقب والدى عندما يضع شريط الكاسيت، ويسمع خطب عبد الناصر، وفى أوقات كثيرة كان يبكى، وكنت أسأله، "مالك بس يابابا؟".. كان يرد: النكسة قبل ما ننتصر فى أكتوبر73 كسرت ضهر البلد، بس الحمد لله ربنا نجانا؛ فتشكلت شخصيتى من كل ما يحيط بشابة فى الـ 18 من عمرها.

انتقلت للمرحلة الجامعية، ووالدى على هذا النهج، ولهتنى الجامعة والأصدقاء، والدراسة، ما أدى إلى انسحابى عن عالمى الذى تشكل من خلال والدى، ولكن كانت الموسيقى رفيقى الأول فى رحلتى، وهوايتى المفضلة توفيق الأغانى، وعمل كوكتيلات من المطربين.

جاء مرحلة العمل، وعملت فى سوق النشر والكتاب 8 سنوات، وفيها قابلت صاحب أول كتاب قرأته، الشاعر فاروق جويدة، الذى كنت أقرأ أشعاره، وأتخيله، وانبهرت بشخصيته، كما قابلت وعملت مع الراحل العظيم عبد الرحمن الأبنودى، وكان يحب أن نطلق عليه لقب الخال، وأيضًا التقيت لأول مرة، عشقى فى الغناء على الحجار، حيث كنت أبلغ من العمر 24 عامًا، فكنت انتهيت من تشكيل شخصيتى، ووعى، وكانت هذه ثقافتى.

انتقلت إلى مهنة الصحافة، التى لم تكن بعيدة، عن مجال الطبع والنشر، وقابلت كل الكتاب الكبار، والحقيقة كنت جريئة، ومقدامة، ففى رحلتى تعرفت على عم سيد حجاب شخصيًا، وكان صديقى وبيننا جلسات كثيرة، وكنت أشم فى غرفة مكتبة عبق الإبداع، وأيضًا تعرفت على الأستاذ جمال الغيطانى، فكان عظيمًا وبسيطًا، وكان الحدث الأكبر فى حياتى معرفتى بالأستاذ سمير خفاجى، فظللت أتردد عليه طوال سنوات قبل وفاته، وما أدراك من سمير خفاجى؟ وبيت سمير خفاجى الذى كان مقتظ بذكريات الفنانين الكبار، وصورهم، وقصة حياة شريهان، وبدايات شويكار وفؤاد المهندس، ومسرح التليفزيون، والزعيم عادل إمام، وغيرهم من النجوم.

كما كان يجمعنى أسبوعيًا لقاء مع الفنان محمد أبو داود، وأنا أطلق عليه ميكى ماوس المسرح، فأجلس واستمع لذكرياته وحكاويه عن المسرح التى لم ولن تنتهى عن المبدع السيد راضى، والأستاذ فؤاد المهندس، وغيرهم من الفنانين من قبل فرقة المتحدين.

 كل هذه الذكريات من الطفولة وحتى الآن، ساهمت بشكل كبير فى تشكيل وعيّ، ويحضرنى هنا أن أقول، إن الإنسان كلما أنار طريقه بالتصحيح والرقى؛ تقلصت مساحة الظلام المحيطة به، حتى ينعم هو ومن حوله من الناس بذلك النور، أكثر فأكثر، وتجد الذين وصلوا لمرحلة مناسبة من التطور الذاتى والوعى يمتلكون القدرة على العطاء، فهم بدورهم يدخلون هذا الوعى لمحيطهم الاجتماعى، أو المهنى بطريقة مناسبة ترفع مستوى الوعى وتفتح له آفاقًا جديدة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز