البث المباشر الراديو 9090
الكاتبة شيرين فتحي
لخص المؤرخ الإغريقى الشهير هيرودوت أهمية "نهر النيل" بالنسبة إلى المصريين بالقول "مصر هبة النيل".

عندما يتأمل كثيرون فى اسم "النيل"، فإن أول ما يخطر على بالهم هو "مصر"، الأمر الذى يسهل تفسيره نظرا للأهمية الكبرى لهذا النهر فى مصر قديما وحديثا، فكان النيل عند قدماء المصريين يعنى الحياة، فإنه عندما يفيض يجلب الرخاء للبشر المحيطين به.

كما سُميت الحضارة المصرية نسبة له بحضارة وادى النيل، والتى قامت على ضفافه، وكان نهر النيل فى نفوس المصريين القدماء له قدسية تظهر من خلال النظر إلى الألقاب والمسميات التي أطلقت عليه، ومن ضمنها ألقاب مثل "رب الأسماك، وواهب الحياة، وجالب الخيرات، وخالق الكائنات، ورب الرزق العظيم"، فضلًا عن أن القدماء المصريين كانوا يحرصون على أن تشتمل سجلات وفياتهم على الطريقة التى تعامل بها المتوفى مع نهر النيل فى حياته، سواء من تكريم أو تدنيس وهو الأمر الذي يحدد طبيعة مصيره فى الحياة الأخرى، فكانوا أيضاً يذكرون النيل فى التراتيل والصلوات ويقولوا: حعبى، أبو الآلهة..الذى يغذى ويطعم ويجلب المئونة لمصر كلها، الذي يهب كل فرد الحياة فى اسم قرينه (الكا) ويأتى الخير في طريقه والغذاء عن بنانه ويجلب مجيئه البهجة لكل إنسان، إنك فريد، أنت الذى خلقت نفسك من نفسك، دون أن يعرف أى فرد جوهرك.

ومن هذا المنطلق يمكن أن نتفهم إلى أى درجة قدس القدماء المصريون نهر النيل، وتعدد الحُكام على أرض مِصر، مرورًا باليونان والرومان اللذين لم ينكروا فضل النيل على المصريين، وصولًا إلى سنوات الفتح العربى الذى تعامل حكامه بنفس درجة التبجيل والتعظيم للنيل، فيروا العرب أن النيل هبه الهية وهبها الله للمصريين، كما أجادوا في نظم الشعر والبلاغة في وصف النيل وأن له دور رئيسى فى منح السعادة والرخاء للبلاد، وفى العصر الحديث لم يتوقف الغزل والغناء للنيل فمنذ أن سجلت الأغانى على اسطوانات، فقد غنى للنيل معظم نجوم الأغنية المصرية والعربية، فغنى له الموسيقار محمد عبد الوهاب .. والناس فى حبه سكارى .. هاموا على شطه الرحيب .. آه على سرك الرهيب .. وموجك التائه الغريب .. يا نيل يا ساحر الغيوب" .. فتغنى بعظمة نهر النيل، فى قصيدة "النهر الخالد"، والتى وصف فيها الشاعر "محمود حسن إسماعيل" حالة العشق التي وصل إليها المصريون لذلك المجرى النهرى، حتى رفعوه لمصاف الآلهة والأرباب، كما تغنى بأجمل ما كتب أمير الشعراء أحمد شوقى "النيل نجاشي" النيل نجاشى ... حليوه أسمر..عجب للونه دهب ومرمر، ارغوله فى ايده ...يسبح لسيده، حياة بلدنا ...يا رب زيدُه ، كما غنت له أم كلثوم من تأليف أحمد شوقي قصيدة "النيل".. من أي عهد فى القرى تتدفق وبأى كف في المدائن تغدق.. ومن السماء نزلت أم فجرت من عليا الجنان جداولا تترقرق.

كما غنى له عبد الحليم حافظ "ياحلو يا أسمر.. يا تبر سايل بين شطين ياحلو يا اسم.. لولا سمارك جوه العين ماكان تنور يا حلو يا اسمر .. الدنيا من بعدك مره .. يا ساقي وادينا الحياة ..دا اللى يدوق من طعمك مرة مستحيل ابدا ينساك ..يا نعمة من الخلاق يا نيل، دى ميتك ترياق يا نيل ...وعشرات الأغنيات غنت للنيل واكم من الكتاب كتبوا للنيل، فكل مصرى له ذكرى وصور مختلفة على ضفاف النيل، بس الحقيقة استوقفتني أغنية "لنجاح سلام " كلماتها معبرة جدا عن الأزمة التى نعيشها الآن فى مصر والمعروفة بأزمة "سد النهضة"
حيث قدمت للنيل أغنية "أنا النيل مقبرة للغزاة" كلمات محمود حسن إسماعيل، وتقول كلماتها: 
أنا النيل مقبرة للغزاة أنا الشعب نارى تبيد الطغاة
أنا الموت فى كل شبر إذا عدوك يا مصر لاحت خطاه
يد الله فى يدنا أجمعين فصبوا الهلاك على المعتدين

ومن كلمات هذة الأغنية أود أن أعرب عن أن مصر هي مقبرة الغزاة وليس النيل فقط، فما رماها رام وراح سليماً من قديم عناية الله بجندها، فقد جاءت مصر ثم جاء بعدها التاريخ، ففى أزمة سد النهضة.. لم تطلب مصر إلا احترام حقوقها والالتزام بالمواثيق وقواعد القانون الدولى، واعترفت بحق الجميع فى التنمية، وفتحت الأبواب أمام تعاون يصب فى مصلحة كل شركاء التاريخ والمصير على نهر النيل وأصرت على التفاوض وما زالت، فى سبيل الوصول إلى تفاهمات تحقق مصالح كل الأطراف، ولعل تلك الأزمة قد كشفت أكثر عن مدى صلابة رجالنا الأوفياء الساهرون الذين لا يوفروا جهداً ولا وقتاً في سبيل إتمام المهمة ويخترقون جدار الدأب والصبر والالم والحفاظ على ضبط النفس، ولا يخافون إلا الله وقسمهم امامه على سلامة أوطانهم والحفاظ على عدم التعدي عليها بالقول او بالفعل ، فهم رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه، ويعلمون جيدا مدى اهمية النيل بالنسبة لمصر والمصريين وان النيل شريان حياة مصر، وأنه يسكن فى وجدان وأرواح المصريين، وكما قال الرئيس عبد الفتاح السيسى المياة خط أحمر وأن لدينا جيشاً قوى لكن ليس بمعتدى، فلا يسعنا إلا أن ندعوا لهم جميعاً بالتوفيق والانتصار فى معركتهم الكبيرة معركة المياة لأنها معركة حياة وأن يشد الله من أزرهم ونحن أيضاً نشد من أزرهم بكلمات أحمد شوقى وغناء عبد الوهاب "هيلا هوب هيلا هيلا هوب هيلا".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز