الدكتور حسن سلامة
وتظهر أهمية الربط بين المشروعات القومية الكبرى وأزمة كورونا فى مصر على وجه الخصوص بالنظر إلى خطط التنمية التى تتبناها الدولة المصرية وتتأسس فى أحد جوانبها المهمة على المشروعات القومية الكبرى مع احتمالات تأثير هذه الأزمة بتداعياتها على مجمل هذا المشروعات تنفيذًا واكتمالاً.
يقصد بمفهوم المشروعات القومية الكبرى تلك التى تتعامل مع المستقبل بخطة ثابتة وفق قراءة موضوعية للواقع، هى تلك المشروعات التى تستطيع أن تجمع شمل المصريين جميعًا على أرضية المصلحة الوطنية العليا، هى حزمة من السياسات العامة التى تستهدف إحداث تغييرات مستقبلية فى مجالات مختلفة اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وغيرها.
إذن، المشروعات القومية ليست مجرد مشروعات اقتصادية أو تجارية بقدر ما تمثل خطة تطوير شاملة يقوم على تنفيذها من نسميهم شركاء التنمية ممثلين فى الدولة والقطاع الخاص والقطاع الأهلى عبر توزيع الأدوار وتحديد التوقيتات الزمنية للتنفيذ وتوفير اليات المتابعة والتقييم.
المشروعات القومية بهذا المعنى هى تلك المشروعات التى تتضمن أهدافًا ذكية تسعى الدولة الى تحقيقها لصالح المواطنين كافة دون تمييز.. هى تلك المشروعات التى تتضمن اهدافا محددة وقابلة للقياس ومتفقًا عليها وواقعية ومحددة زمنيًا.
إذن، المشروع القومى ينبنى على أسس مهمة يمكن إجمالها فى:
- رؤية واضحة للتطوير
- أهداف ذكية قابلة للقياس
- آليات محددة للتنفيذ
- توقيتات زمنية متفق عليها
- آليات متابعة وتقييم
أن توافر العناصر السابق ذكرها يجعلنا نقر بأن خطط التنمية التى تتبناها مصر منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى السلطة تقوم على فكرة المشروع القومى الذى يبنى بأيدى المصريين ولصالح المصريين ويجمع شمل المصريين ويسد منافذ الانقسام المحتمل.
ومنذ تم طرح مشروع قناة السويس الجديدة وحتى الآن تتوالى المشروعات القومية من طرق، وأنفاق، ومشروعات زراعية وصناعية وثقافية لتمثل محاور خطة التطوير نحو مصر الجديدة، كلها تعكس الرؤية والأهداف القابلة للقياس وفق مدة زمنية، مع استمرار المتابعة من جانب القيادة السياسية ليصبح المشروع القومى فى عهد السيسى مشروع وطن تنفذه مكوناته المختلفة ولصالح هذه المكونات أيضًا وعمادها الإنسان المصرى.
إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا
وفى خضم تنفيذ تلك المشروعات تأتى أزمة فيروس كورونا بتحدياتها وتداعياتها لتثير السؤال الذى نسعى للإجابة عليه فى هذا المقال، وهو ببساطة: إلى أى حد يمكن أن تؤثر أزمة انتشار الفيروس على معدلات تنفيذ المشروعات القومية الكبرى؟
الإجابة قاطعة لا لبس فيها خصوصًا إذا كان السؤال حول المشروع القومى باعتباره خطة التطوير، رؤية التحديث، مهمة الاتجاه نحو المستقبل وليس مجرد مشروع اقتصادى / تجارى يبحث عن اكتمال التنفيذ.
لا يمكن للرؤية الواضحة أن يغيبها شىء، لا يمكن للهمة العالية أن يوقفها أحد، لا يمكن للإجماع الوطنى أن تخترقه معاول الهدم.
ربما تشهد معدلات التنفيذ بعض التباطؤ المؤقت لسبب أو لآخر لكنها سرعان ما تعاود العمل وبمعدلات أسرع لتعويض ما فات إيمانًا بالمشروع القومى، مشروع البناء للإنسان المصرى فى حاضره ومستقبله.
إن امتلاك الرؤية والتصميم يمثلان دعمًا كبيرًا فى اتجاه التنفيذ رغم تحديات الفيروس وخطورته على صحة المواطن المصرى.
نجحت هذه الرؤية فى تحقيق التوازن الضرورى بين الحفاظ على صحة المواطن المصرى كالتزام دستورى وأخلاقى وبين استمرار عجلة الإنتاج التى تكسب ذات الإنسان دافعًا ماديًا ومعنويًا للاستمرار والانتصار فى معركة الوجود والبقاء فى مواجهة هذا الفيروس الضارى.
فالمشروع القومى واستمراره ضمانة لتعزيز منظومة الأمن القومى التى صعد على سلم أولوياتها الأمن الصحى فى ضوء انتشار الفيروس، الاقتصاد القائم على استمرار الإنتاج الوطنى دعامة قوية لتحقيق الاستقرار المجتمعى.
إن الوفاء بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين وتجسيد الدور الاجتماعى للدولة كمكون أساسى للمشروع القومى لا يمكن التخلى عنه تحت وطأة خطر صحى مهما كان تجسيدًا لوظائف الدولة القوية والتزاماتها.
إذن، المشروع القومى هو من سمات الدولة القوية التى تستطيع الاستجابة لاحتياجات مواطنيها ومواجهة الأزمات على اختلاف مجالاتها ومن نماذجها انتشار وباء كورونا، وتظهر مصر نموذجًا ليس على مستوى إدارة الأزمة بكفاءة وجودة فقط، وإنما هى نموذج للدولة القوية التى تمتلك مشروعها القومى بالمعنى الشامل.
لا ينفى ما سبق قابلية الرؤية للتعديل أو الإضافة أو الحذف أو إعادة ترتيب الأولويات لتحقيق المرونة المطلوبة فى تنفيذ المشروع القومى، فالجمود مضاد التطور وحائل دونه، والرؤية المرنة هى رؤية للتطور والانتقال السلس.
يبقى هدف التطور محور الرؤية حتى وإن تبدلت أولوياتها، فصحة المواطن المصرى هى الحاكمة لمسار التطور فى مواجهة انتشار الفيروس لكن عجلة الإنتاج هى رؤية موازية لتنفيذ مشروع التطور فى فترة ما بعد انقضاء الأزمة.
كما تبقى مصر وقيادتها فى صدارة الدول التى تتبنى مفهوم التخطيط الاستراتيجى المرن الذى يضع سيناريوهات وخططًا استباقية لفترة ما بعد انقضاء أزمة فيروس كورونا دون التفريط فى أداء واجبات الحفاظ على صحة المواطن كأولوية، تلك الخطط الاستباقية التى تضع موطئ القدم الثابتة للإنسان المصرى باعتباره غاية التنمية وأداتها لاستكمال المشروع القومى.
وهكذا يمكن القول إن مهام التخطيط الاستراتيجى النابع من الواقع الوطنى واستقراء تجارب الآخرين، أصبحت مهام حاكمة لمراكز التفكير فى مصر لتجاوز اللحظة الراهنة رغم ما فيها من مخاطر وعقبات وصولاً إلى مستقبل أفضل.. وأصبحت مهمة المخطط الاستراتيجى وظيفة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها فى المؤسسات كافة فى ظل عالم يموج بالتطورات والتغيرات المفاجئة ولا ينتظر أحدًا.