البث المباشر الراديو 9090
حنان صبرة
بدأ شهر الكرم بكل ما يمنحه من تفاؤل وطاقات إيجابية، شهر الخير والحب والعطاء، شهر المنح من الله لعباده والعبادات والروحانيات وإعادة اكتشاف النفس.

كم هو جميل شهر الصوم، رمضان هو المبهج الطيب الكريم الذى يستقبلنا كل العام  ليحتوى قلوبنا التى كانت قد أتعبتها الأيام قبله وأرهقت نفوسها، يستقبلها بوده وكرمه ليبهجها وينقيها بروحانياته ونور أيامه ولياليه.

رمضان هذا العام، يأتى فى ظل ظروف  قاسية، محنة إنسانية، فما نمر به فى هذه الفترة ليس بشيء هين، حظر وقلق وتوتر وخوف من مرض مجهول يهدد الحياة، لأن الطريق للتعامل  معه غير واضح تماما.

ولكن جاء رمضان بنوره لكى يضفى على قلوبنا طمأنينة ورضا كانت تحتاجها  لكى نتعايش ونتأقلم مع الواقع، نتعامل ونطمئن أنفسنا حتما أن الخير قادم بإذن الله بقدوم شهر الرحمة والمغفرة، فكلنا يسلمها لله ويدعوه عز وجل فهو الرحمن الرحيم بعباده.

قد يرى البعض أن رمضان يختلف هذا العام بسبب هذه الظروف وما تتطلبه من حظر لتفادى العدوى بالمرض، وأنه ينقصه الكثير من مظاهر الاحتفال التى تعودوا عليها وأصبحت ثوابت لديهم فى السنوات الأخيرة لاستقبال رمضان، يفتقدوا ما ينقصه من العزومات والمجاملات الاجتماعية والعلاقات العامة  وكثرة التجمعات على موائد الإفطار والسحور التى كانت قد انتشرت وأصبحت ظاهرة فى السنوات الأخيرة كشكل من أشكال استقبال رمضان.

ولكن هل فعلاً افتقدها روادها ومقيموها هذا العام، أم أن ما يحدث الآن من وقفة أتاحت للجميع ترتيب الأولويات وبدأ الإحساس بأن هذه المناسبات الاجتماعية التى كانت تفرض نفسها على شهر رمضان كانت عبء إضافى على الجميع وأن اللمة وسط العيلة أو الأصدقاء المقربون أجمل وأكثر دفئا وحقيقية بقدر حجم الحب.

هل هذه المحنة التى سبقت رمضان بأيام قليلة نستطيع أن نعتبرها منحة لاكتشاف معانى الحياة الحقيقية والبعد عن كل ما له بريق ولكنه مزيف، الواقع أن رمضان هذا العام  أجمل وأكثر هدوءاً، يخلو من الموضات والبدع، حقيقى أكثر عما كان قد طرأ عليه من قبل فى سنوات مضت أخيرا.

فالظروف الحالية أتاحت لكل ما هو حقيقى فقط أن يبقى فى حياتنا وفتحت الباب للتخلى عما دون ذلك، جعلتنا نتمسك فقط بالمهم الذى نريده فى حياتنا وكذلك فى علاقاتنا بالناس، أظن أنها أعادت تصنيف البشر فى حياة كل منا من جديد ليبقى فقط الحقيقى منهم وخلقت الفرصة حتى للأسرة أن تكتشف بعضها من جديد، تجتمع وحدها فى رمضان تفطر وتتسحر وحدها، وتقيم صلواتها مع بعضها وحدها داخل المنزل، ربما تكون هى منحة من الله لإعادة اكتشاف الأسرة لشهر رمضان معا وصناعة منه ليالى أجمل وأكثر دفئاً وبساطة وحب.

ومنحة أيضاً للتمسك بمن يحبنا ونحبه من الأصدقاء ونكتفى بهم فى زحمة العلاقات الكثيرة، أدعو الله فى ليالى رمضان المباركة أن تزول المحنة ونكون قد خرجنا منها بقيم إنسانية وتعديلات تظل معنا فى الحياة بعدها، وأتمنى أن تظل العائلة مجتمعة دائماً برضاها لا رغم عنها بسبب المنع من الاختلاط، أتمنى أن تظل مطابخ البيوت عامرة برائحة الأكل البيتى المصنوع بحب وبقلب يسعد يومياً بلمة العيلة لصنع الجديد، أتمنى أن يعود البيت كما كان فى الأصل مكان الراحة والاحتواء بدلاً من طرقات وشوارع ومقاهى استنزفت طاقة روادها مادياً ومعنوياً وأصبحت ملجأ زائف لكل منهم.

أتمنى أن تظل قلوبنا عامرة بحب البشر الحقيقيين فى حياتنا، ويدوم الود بيننا، فأيام العمر لا تحتمل ضياعها فيما هو زائف مهما كان مبهرا.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز