البث المباشر الراديو 9090
محمد عبدالحافظ
فى أعقاب زلزال عام 1992، انهارت مئات البيوت فى مصر، ونقلت الحكومة المتضررين إلى ما أطلق عليه وقتها مساكن الزلزال، فى عدة مناطق، وأصبحت الآن بؤرا لعشوائيات وأشياء أخرى، لأن تصميمها المعمارى وتخطيطها غير ملائم صحيا واجتماعيا، وأغلبها لا يوجد به خدمات، لأن الحكومة تعاملت من منطلق أنها تمن على المتضررين الغلابة.

بعد مرور أشهر قليلة ظهرت تصدعات وتشققات فى بيوت كثيرة، وسارعت الأحياء بإصدار قرارات إخلاء وإزالة لهذه البيوت، لكن ساكنيها رفضوا، لأن الدولة لم توفر لهم مساكن بديلة، ففضل السكان أن تنهار البيوت على رؤوسهم عن الإخلاء.

ولكى تخلى الأحياء مسؤوليتها القانونية، أجبروا الأهالى على التوقيع على إقرار بأنهم سيبقون "على مسئوليتهم"، أطلقوا عليه وقتها "إقرار الموت"، ووقع الأهالى صاغرين، فالموت وهم مستورون أفضل بكثير من أن يظلوا أحياء وهم مشردون.

وبالفعل انهارت البيوت فوق رؤوس ساكنيها، ولم تحرك الحكومة ساكنا، وكان ردهم أن لدينا مستندات تثبت مسؤولية الموتى عن موتهم!

انمحت هذه الذكريات المؤلمة من رأسى، وأنا أشاهد صروح المساكن العملاقة فى "بشائر الخير" بالإسكندرية، والتى تم تنفيذها بأعلى مستوى من التصميم والتخطيط العمرانى، الذى راعى المواصفات الصحية، والاجتماعية، وتجهيزها بأثاث وفرش، كل هذا مخصص لسكان العشش التى أزالتها دولة 30 يونيو لتنقلهم إلى مستوى اجتماعى يليق بهم لأنهم مصريون.

أكثر من مليون مصرى نقلتهم الدولة خلال السنوات الخمس الماضية من العشوائيات إلى مساكن بديلة.. لم يطلب ولا واحد منهم أن يترك عشته أو منزله المتهالك أو منطقته العشوائية، ولكنها المسؤولية الاجتماعية التى أخذتها الدولة على عاتقها، ولأنها تعتبر ما فعلته حقا لكل مصرى، دون أن يطلبه.

هذا الحق الإنسانى الذى تعيده الدولة لأصحابه، لا يقضى فقط على العشوائيات ويزيل التشوهات من صورة مصر أم الدنيا، بل من شأنه أيضًا أن يقضى على أى أمراض اجتماعية، تفرزها العشوائيات، وتترسب فى نفوس كانت تحس أن لا أحد يشعر بها، ولا يسمعها، ولا أحد يحنو عليها، وبعيدة عن دائرة اهتمام الدولة.

رؤية وفلسفة عمل دولة 30 يونيو، تقوم على إعادة الحق الإنسانى لكل الصامتين الذين كانوا لم يجرؤواعلى المطالبة بحقوقهم، وحين كانوا يهمسون بالأنين، كان المسؤولون يجبرونهم على التوقيع على "إقرار الموت"، لإخلاء مسئوليتهم القانونية، لمجرد "تستيف الأوراق"، متناسين أن عليهم مسؤولية اجتماعية وضميرية.. لا يحاسب عليها إلا الله.. فالحمد لله أن أنعم الله على مصر بالسيسى .. رئيس يراعى الله فى شعبه.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز