البث المباشر الراديو 9090
حنان صبرة
إذا كنا سنحاول قدر المستطاع بذل الجهد والأخذ بكل أسباب الحماية للتعايش مع هذا المجهول المسمى بفيروس كورونا إلى أجلٍ غير معلوم، وهو أمر ليس بهينٍ ويخضع لعوامل كثيرة، تتفاوت حسب ظروف حياة كل فرد منا.. فإننا لا نستطيع أن نجزم بأى شيء الآن غير أن الأمر كله بيد الله وحده ولا نملك فعليًا غير الدعاء، أن يعفو عن الجميع ويزيح عن عباده هذا الإبتلاء الصعب.

ولكن ما يحدث من تداعيات كورونا منذ أن بدأت فى الانتشار بالعالم هو بالفعل الأكثر صعوبة، فهو اختبار يومى لقدراتنا على التعايش مع ما يحدث على كل وسائل ومواقع التواصل الاجتماعى "السوشيال ميديا"، فالأمر أصبح فوق الاحتمال النفسى للجميع.

الهروب من الفيروس قد يساوى الهروب من الرعب الذى تصدره لنا هذه الصفحات بشكل مستمر يوميًا.

أصبحت الكثير من هذه الصفحات تخويف وترهيب من قبل أصحابها، أو أحيانًا صفحات لتحقيق الشهرة والانتشار من قبل البعض الآخر، ولم تعد علاقات صداقة على الإطلاق، كما يفترض لها أن تكون فى الأصل، بل غلب عليها شكل نشرات الأخبار المستمرة وبغير أدنى احترافية للأسف؛ لأنها فى الأغلب تميل إلى الأسوأ فى أنواع الأخبار فهو الأسهل فى النشر وتحقيق الشهرة والتواجد فى معظم الوقت.

فالنشر غالباً ما يتم بلا دراية أو تعقل و تفكير للحظة للتمييز بين ما يليق بالنشر وما لا يجب نشره، والكثيرين لا يبذلون حتى أقل القليل من الجهد؛ للتأكد من مصداقية ما يتداولوه أو يفكرون فى مدى تأثيره على الغير حتى إن صادف وكان المحتوى صادق.

فالأمر للأسف بالنسبة للناشر لا يهم على الإطلاق.. المهم هو النشر!

بدأت ردود الأفعال على صفحات وسائل التواصل الاجتماعى، مع ظهور هذا الفيروس بانتشار القصص كمحاولة لإيجاد أسباب لوجود الفيروس والبحث وراء كيفية انتشاره وطرق العدوى منه، والتى ثبت عدم صحة معظمها بعد ذلك بقليل، ثم إنهال علينا فجأة سيل لا نهائى من النصائح المتضاربة غير معلومة المصدر، يصاحبها متابعة عداد الحالات اليومية.

ثم إنتهى الأمر مؤخراً إلى حالة من الترهيب والتخويف المستمر يصاحبها حالة ندب وشكوى على كل شيء وأى شيء طول الوقت، أصابت الجميع بالكآبة والإحباط والرعب، ثم تطور الأمر إلى أن وصل الحال إلى كتابة روشتات صرف دواء من البعض وتناقلها والتبارى بنشرها دون أى وعى أو مسؤولية أو أدنى تقدير لمدى حجم الكارثة التى قد تنتج عن استعمال أى شخص لدواء أو أكثر، دون كشف طبى أو دون ملاحظة الأطباء.

السؤال الذى يطرح نفسه: إلى متى نظل نفتقر إلى الوعى والإحساس بالمسؤولية الاجتماعية تجاه بعضنا؟ من وضع بين أيدى الناس سلاح نشر الحروف على صفحات التواصل الاجتماعى لم يقم بتدريبهم على استعمالها بالشكل اللائق، أو تعليمهم أصول المسؤولية عند استخدامها.. من ساهم فى سيطرة العشوائية على حياتنا؟

ومن يتحمل عواقب هذا الاستهلاك الخاطئ إن كان بيننا كثيرون لا يدركون حجم الضرر النفسى، وأحيانًا البدنى، الذى قد يسببه لغيره بعشوائية أخباره ومعلوماته.. فالكل لا يتردد لحظة قبل النشر بل بالعكس معظمهم فخور وسعيد بما يفعله وكأنه اكتشف التايهة أوعمل ما لا يعمل.

كارثة أن يصبح المجتمع كله فجأة مفكرين ومحللين ونقاد وأطباء وصيادلة وعلماء ذرة وخبراء طالع للتنبؤ بالقادم، حتى أن صفحات كثيرة توحدت هذا الأسبوع، وتنافست فى صباح أحد الأيام لنشر جملة واحدة وكأنهم اتفقوا مسبقًا بعد بحث طويل، وهى "أن القادم فى سيناريو كورونا هو الأسوأ فاستعدوا".. جملة فى منتهى الغرابة والسخف معًا، وللأسف دون أى مرجعية أو أدنى مسؤولية على من أعطى لنفسه الحق بأن بنشرها.. وتلك هى الخطورة الحقيقية.

كلٌ يقدم كارثته للآخر وبمنتهى الثقة والسعادة، وتحت مسمى الصداقة على مواقع تفتقر كلها إلى أدنى مسؤوليات الصداقة أو حتى الإنسانية والرقى فى التعامل، فالجدل والخلاف هم الأكثر شيوعًا بها، عند كل اختلاف فى الرأي.

وما يدعو أكثر للغرابة أنه لا يستطيع أحد أن يرفض أو يتمرد على كل ما يفرض عليه كل صباح من غم ونكد وخوف وشائعات.. فالجرعة إجبارية إن قررت الدخول بمحض إرادتك، وحتى إن لم تقرر، فلا تقلق فسوف تجد حتمًا من ينقلها إليك أينما كنت عبر تطبيقات أخرى.

هل يمكن أن نكتفى مؤقتًا بهذا القدر من أخبار الحزن والخوف والقلق القاتل، ونرفع شعار لهدنة صيفية: سكوت هنصيف!.. ولو على سبيل رفع المناعة بالسكوت قليلا عن كل ما يخفض مستوى الأمل ويحاصرنا ويعتصرنا !.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز