رولا خرسا
سأبدأ سلسلة تحت عنوان "تاريخ المحتلين" أتحدث فيها عن الغزاة الذين عانينا منهم، ولكن استفدنا منهم أيضا، ففى كل محنة منحة، وعندما نتعرف على تاريخنا فإن هذا من شأنه أن يجعلنا أكثر اطمئنانا لقدراتنا كشعب.
نبدأ السلسلة بالهكسوس الذى احتدم الجدل بين الأثريين حول مدة بقائهم، والوقت الذى اجتاحوا فيه البلاد المصرية، أما تاريخ طردهم من مصر فيكاد يكون متفق عليه أنه كان حوالى عام 1580 ق.م على يد الفرعون أحمس الأول، لم يدخلوا البلاد دفعةً واحدةً، بل وفدوا إليها جماعات صغيرة متفرقة، وهذه الجماعات كانت تزداد فى عددها إلى أن أصبح لهم سلطان ونفوذ.
وضع ماتبينون المؤرخ اليهودى الذى كان يقيم فى مصر تفسيرا لغويا لكلمة هكسوس، إذ قسمه إلى جزئين "حقا" معناها "حاكم"، وكلمة "شاسو" معناها "بدوى"، ومن الجائز أن الأخيرة قد كُتِبت بالإغريقية "سوس"، وبالقبطية "شوس"، وعلى أى حال فإن الرأى المتفق عليه الآن فى تفسير كلمة "هكسوس" هو أنها مركبة من كلمتَى "حقاو" و"خاسوت"، ومعناهما معًا هو "حكام الأقاليم الأجنبية".
وكتب المؤرخ اليهودى ماتبينون حول هذه الحقبة قائلا: "لا أعرف لماذا قد نزلت بنا (يقصد اليهود) فى عهد توتيمايوس (Tutimaeus تحتمس) صاعقةٌ من غضب الإله، فقد تجرَّأ قوم من أصلٍ وضيعٍ من الشرق على غزو بلادنا، وقد كان مجيئهم أمرًا مفاجئًا، وقد تسلَّطوا على البلاد بمجرد القوة فى غير صعوبةٍ ما، وبدون نشوبِ واقعة حربية، وبعد أن تغلَّبوا على الرؤساء أحرقوا المدن بوحشية، وأزالوا معابد الآلهة من أساسها، وساروا فى معاملة الأهلين بكل قسوة، فقتلوا بعضَ القوم، وسبوا نساء وأطفال أناسٍ آخَرين، وفى نهاية الأمر نصبوا واحدًا منهم اسمه "سالاتيس" ملكًا، فاتخذوا مدينة "منف" مقرًّا له، وضرب الضرائب على الوجه القبلى والوجه البحرى، وترك له حاميات فى الأماكن التى كانت أعظم صلاحيةً للدفاع".. وللحديث بقية.