محمد عبدالحافظ
الملايين فى مصر، وربما فى العالم تعرف هذا الرجل، ليس لأنه حاز جائزة نوبل، ولا لأنه كان يشغل منصبا رفيعا، ولا حتى لأنه نابغة فى الطب، ولكنهم عرفوه لأنه كان نابغة فى الإنسانية، فقلدوه لقب "طبيب الغلابة"، لأنه لا يبغى جاها ولا ترفا.
كانت عيادته بسيطة متواضعة لا أثاث فاخر، ولا أجهزة متطورة ولا تكييفات، ولا إضاءة خافتة، ولا سكرتارية وممرضات وممرضين لاستقبال الحالات، فهى لا تعدو أن تكون حجرة متواضعة ليس بها سوى كتب ومكتب صغير وميكروسكوب عتيق، وطبيب تسرى فى دمائه الإنسانية، ويستنشق إنسانية، ويتغذى ويعيش على الإنسانية.
شيُعت جنازته وحضرها آلاف المشيعين من مرضاه وأهاليهم، وكل من عرفه أو سمع عنه، وحرص كل من كان قريبا من مكان مراسم الدفن أن يشارك فى صلاة الجنازة، وأدى آلاف غيرهم صلاة الغائب، وملايين رسائل الرثاء ملأت وسائل التواصل الاجتماعى، مظاهرات حب لرجل لم يسع يوما للشهرة، ولا المجد، ولكن أعماله الإنسانية مجدته وخلدته فى قلوب وعقول الملايين.
هذا الرجل الإنسان لم يتم تكريمه فى حياته، وأظنه كان سيرفض لو عُرض عليه التكريم، فلا أقل من أن نخلد اسمه بعد رحيله، ليظل رمزا للإنسانية المجردة من كل مصلحة، فكم من البشر كان همهم هو متاع الدنيا من مال وشهرة ومجد، ونادرا أن نجد مثل الدكتور مشالى.
أقترح على الفريق كامل الوزير وزير النقل أن يطلق اسمه على إحدى محطات مترو الأنفاق المحورية، حتى يظل اسمه خالدا، وعندما يسأل أبناؤنا من بعد موتنا، من هو محمد مشالى، سيقال لهم إنه "إنسان"، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لتبقى حكايته تروى على مر العصور، فنحن فى أمس الحاجة إلى تخليد رموز مثل د. مشالى، فى زمن عزت فيه الإنسانية، وتصالحت فيه المصالح، وضاعت «القيم» وحلت محلها «القيمة»، واندثرت الأخلاق، وشح فيه الإيثار، وعلت فيه الأنا.. رحم الله د. محمد مشالى، وسيكون أملنا أن يغير الله حالنا ويرزقنا إنسانية مشالى.
الإنسانية لا تحتاج لأن تكون غنيا أو نابغة أو مسؤولا، يكفى أن تكون إنسانا.