مريم عيد
تستطيع أن تسمعها فى صوت أم كلثوم، وتستطيع أن ترى رقتها وتمكنها فى أفلام فاتن حمامة ونادية لطفى وسعاد حسنى ويسرا ونيللى كريم، قابلتها بالتأكيد فى كل مدرسة وجامعة ومصنع ومستشفى ومصلحة ووزارة، فى حديث الأقارب الآسر أو فى خفة دم الجيران، عندما تفتح المذياع كان يمكنك أن تسمعها فى "على الناصية" للقديرة آمال فهمى عقب التنويه "هنا القاهرة!"، أو إيناس جوهر فى إذاعة الشرق الأوسط، يمكنك أن تراها على شاشات التلفاز المصرى تقرأ نشرات الأخبار أو تقدم الكثير من البرامج.
ربما يناديها الجميع صغارًا وكبارًا "ماما نعم" أو "ماما نجوى" أو سناء منصور ودرية شرف الدين تقدمان دراما أجنبية أو منى الشاذلى تستضيف الجماهير، وبتنوع إسعاد يونس فى "صاحبة السعادة"، بذكاء سميرة موسى وهيلانة سيداروس، وريادة هدى شعراوى ونبوية موسى وسهير قلماوى وأسلوب أمينة السعيد وكتابات لطيفة الزيات وجاذبية صدقى، وسياسة ميرفت التلاوى وفايزة أبوالنجا وجرأة نوال السعداوى وعدالة تهانى الجبالى.
على طول الطريق من القاهرة إلى مدن الدلتا أو الصعيد يمكنك رؤيتها من نافذة السيارة أو الأتوبيس أو القطار مرتدية ملابس ريفية ومنحنية على زرعها لترعاه، أوتضع أثقالًا على رأسها تسندها بإحدى يديها وباليد الأخرى تمسك بأحد أطفالها، ولربما أجلست صغيرًا آخر على أحد كتفيها، ومع ذلك تحتفظ بقامتها وقدها الممشوقين لأنها تتحرك باستمرار ولا تركن إلى الراحة، كثيرة الأثقال لكنها حتشبسوت القادمة من أعماق التاريخ بقدرتها على إدارة اللحظة ودفع دوران عجلة الحياة، فحتى لو لم تضطلع بمكان الرئاسة فهى الملكة فى صبرها وفى حسن عقلها.
شوهدت حتشبسوت مؤخرًا تستقل القطار المتجه من المنصورة إلى القاهرة .. قد يراه البعض موقفًا عاديًا كثيرًا ما يحدث، ولكن حتى لو كان كذلك فلماذا لا نلق بالضوء على إيجابياتنا؟ ، فكما نركز على السلبيات من المفيد أيضًا أن نركز على الإيجابيات فبضدها تتضح الأشياء.
إنها ليست سيدة القطار فقط ولكنها كانت سيدة الموقف أيضًا، إن من واجب الكمسرى ورئيس القطار بالفعل تنبيه المخالفين والتأكد من دفع ثمن التذكرة فتلك مهمة أساسية بالطبع، ولكن بدون توجيه إهانات إلى أحد فمن الممكن إنزال الراكب منذ البداية أو فى المحطة التالية مباشرة بهدوء يكفى "اتفضل انزل" لكن يتضح أن هناك سوء معاملة متعمد أدى إلى تكرار حوادث القفز من القطارات والموت تحت عجلات القطار فيجب أن يتم اختيارهم من الأساس من حسنى الخلق الذين يجيدون معاملة الجماهير.
ثم يفاجئنا البعض بدروس غريبة مستمدة من تلك الواقعة لست أدرى من أين يأتون بها؟، هل يأتون بها من خلف كواليس الواقعة؟ ، لأنها دروس لا تخطر على بال أحد وكأنها مستمدة من واقعة أخرى غير التى نتحدث عنها! ، إذ نفاجيء بالبعض يقولون إن بقية الركاب من الرجال لم يتصرفوا فى تلك الواقعة بحصافة لأنهم جميعًا من تربية المرأة العاملة، وبدلًا من تكريم المرأة العاملة فى شخص السيدة صفية أبو العزم أصبح الحديث هجومًا على المرأة العاملة، فكيف توصلوا إلى تلك الحقيقة المزعومة والتى هى منافية للواقع تمامًا .. فأولًا الكثير من الركاب من كبار السن أو من الريف كما أننا لا نعرف إذا كانت أمهات البقية سيدات عاملات أم لا .. ثانيًا وتبعًا للإحصائيات فإن نسبة المجرمين والخارجين عن القانون تكون أمهاتهم من ربات البيوت ولسن سيدات عاملات، فالمرأة العاملة يكون لديها وعى أكبر بالحياة وتستطيع التوفيق بين عملها وحياتها الشخصية، وثالثًا السيدة صفية نفسها امرأة عاملة، فهل نهاجم نموذجها تكريمًا لها!!؟
السيدة صفية دافعت عن المواطن المصرى فى أى مكان مهما كان تعليمه ومهما كانت ظروفه فكرامته ينبغى أن تصان دائمًا، كما أنها دافعت فى نفس الوقت عن كرامة مؤسسة الجيش فى شخص أحد المجندين .. فكيف يمكننا توجيه أى نوع من الإهانة لمن يحمل روحه على كفه، ومن هو على استعداد دائم أن يقدم حياته فى أى وقت من أجلنا جميعًا.
كمسرى القطار ورئيس القطار يمثلان كل من يسيء استخدام موقعه فى أى مكان على أرض مصر .. تقمص كمسرى القطار شخصية ناظر المدرسة ليلقن المجند درسًا فى الأخلاق، وتحلى المجند بضبط النفس والذى ربما تريث فى دفع ثمن التذكرة ليلفت النظر إلى حقه فى أن تكون تذكرته مدفوعة الأجر وهذا أقل امتياز ينبغى أن يُمنح مبدئيًا لهم جميعًا.
مدرسو المرحلة الابتدائية دائمًا هم أكثر من يتذكرهم الناس طيلة حياتهم فهم غالبًا ما يمتلكون تواصلًا محببًا مع تلامذتهم وخصوصًا المتفوقين منهم.. فكل من يريد أن تترك المرأة دورها لغيرها على أساس أن تلك غيرية مخطئون، فالغيرية من الممكن أن تظهر فى أدائها لدورها وليس فى ابعادها وتنازلها عن دورها.. فالبعض يريدها أن تُكفر عن كونها "أنثى".. حتشبسوت نفسها واجهت من يريد إبعادها من المشهد السياسى والإنسانى لمجرد كونها "أنثى" ولربما يسبغون على ذلك دعاوى دينية ولكن المرأة فى جميع الأديان بما فيها الديانة المصرية القديمة هى "ملكة متوجة" على قلوب الجميع، ووأدها ممنوع.
إن شخصية السيدة العذراء "مريم" المذكورة فى جميع الأديان تعطى درسًا فى كيف يمكن أن تبلغ قوة الإرادة الإنسانية وضبط النفس منتهاهما حتى بدون رقيب أو حسيب طالما شبت الأنثى على أساس راسخ من القيم.
أحيانًا بعض المجتمع يعطى للرجل كامل الحرية وفى نفس الوقت يجعل من نفسه رقيبًا على حرية المرأة وكأن المرأة لمجرد كونها امرأة سوف تسئ استخدام حريتها.. المرأة كالرجل تمامًا فإذا كانت البدايات سليمة وتربيا على المباديء والقيم فيجب أن يمنحا ذات الحرية ولن يسيئا استخدامها إلا إذا أرادا ذلك وحتى بدون وجود الحريات سيجيدان خداع المجتمع دائمًا وأبدًا.. فالشخصيات التى تنال قدرًا أكبر من الحرية يكون هذا تدريبًا عمليًا لها فى تربية أخلاقياتها وفى مدى تمسكها بمبادئها وفى العلو بقيمها وليس العكس.