حنان صبرة
تحدث هذه الهدنة، الاستراحة مع النفس بعد صخب الصيف ونشاطه وأحداثه، ودائماً تكون فرصة جيدة ملائمة لإعادة ترتيب الأولويات فى الحياة والحوار مع النفس لإعادة كل شيء فى مساره الصحيح حتى نمنح أنفسنا القدرة على استكمال مشوار الحياة والبدء من جديد مع بداية عام جديد.
ولكن الخريف هذا العام مختلف، أكثر شجناً وربما ألماً عن غيره مما قد مضى فى مشوار العمر.
غابت الابتسامة مع بداية خريف 2020 وأصبح الكثيرين يشعرون بالغربة فى أيام قلت فيها البهجة عن الوجوه
ماذا حدث؟ ولماذا؟
أسئلة ترسم حروفها على وجوه كثيرة..
وإذا تأملت المشهد وسألت من حولك ستجد أن الكل فى أشد الانتظار لأخبار شخصية مبهجة تسعد القلوب المتعبة منذ شهور.. الكل فى انتظار فرح وفرحة .. الكل يدرك أن الخريف هذا العام يحمل شجناً من نوع خاص يناسب صعوبة الأيام التى سبقته، مهما حاولنا التغلب عليها أو المرور عليها مر الكرام .. ولكن يبدو أنها نجحت فى ترك أثرها على الجميع.. زادت قلوبنا تعباً وضاعفت إرهاق أرواحنا بشكل منحها عن جدارة لقب "سنة إستثنائية" و"سنة صعبة"!
لا أحد يستطيع أن ينكر ذلك بالتأكيد! ولكن.. هل بالفعل كانت صعوبتها فقط هى السبب.. أم أن ما أظهرته المواقف خلال التعاملات الإنسانية هذه السنة هو الأكثر صعوبة؟!
ببساطة وكما وصف المشهد جدودنا زمان: أن كل إناء قد نضح بما فيه فى وقت الشدة هذه السنة ليكشف عن كم التغيير الذى طرأ على شكل الحياة وسلوك البشر.. وهذا التغيير معظمه للأسف للأسوأ.. والأصعب أن الأمر أصبح عادى بل وعلى الآخرين تقبله والتعامل معه!
الشكوى واحدة ومتكررة بشكل أصبح لا يثير الاندهاش.. الناس هذه الأيام ليست هى الناس.. اختلت الموازين والأخلاقيات.. وغيرها الكثير.. والحقيقة أن الكل يحاول التغافل أو الهروب أكثر من تقبل هذا الواقع الحزين بسبب قسوته.
قد يكون لأن معظم النفوس بالفعل قد أرهقتها الأيام بصدمات فى بشر وصدامات مع آخرين واختلافات فكرية وأخلاقية أذهبت الود وصفاء العلاقات حتى أنها أصبحت عبء أكثر من كونها سند فى رحلة الحياة وهو الأصل فى وجود العلاقات الإنسانية من الأساس.. فزادت العلاقات والتعاملات من ثقل القلوب بدلاً من أن تساعد فى التخفيف عنها فى حمل الأيام!
أو ربما أن السبب فى هذا الشجن الزائد أننا قد أفقدنا الحياة بساطتها بالدخول فى سباق رحلة مزدحمة بالضغوط، ولم نكتف بذلك بل تنازلنا فى خضم هذا السباق وسرعته عن كل ما هو حقيقى، أصيل، غالى حولنا واستبدلناه بشكليات.
قد تبدو ظاهرياً براقة ملونة ولكنها لا تمنح السعادة الكافية والمطلوبة لاستكمال أركان الاستمتاع بالحياة .. فجفت الأيام .. وأصبح الكل وكأنه يؤدى دور على مسرح الحياة وهدفه أن يتقنه لا أن يستمتع به .. حتى أن هذه الأدوار طالت علاقات بعض البشر فظهرت علاقات من نوع جديد تواكب المشهد، علاقات تخلو من العمق والصدق.. هانت فيها العشرة فأضافت إلى صعوبة الأيام صعوبة وإلى قسوتها قسوة وصاحبها هذا الشجن من النوع الجديد .. فمن الصعب أن تخلو الحياة من البساطة والجوهر الحقيقى ونرجو منها فى نفس الوقت أن تمنحنا السعادة التى نتمناها !
المعادلة لا تتزن بهذا الشكل!
تتزن فقط بعودتنا لأصول الأشياء وفهم جوهر وحقيقة المعانى حتى لا تختل قيمة الحياة ويضيع بريقها وتتوه بهجتها.
فهل ما زال بإمكاننا منح خريف 2020 فرصة أخيرة لوضع نهاية أكثر سعادة لهذا العام المجهد للجميع؟
نرجو ذلك!