البث المباشر الراديو 9090
ابتسام كامل
بعيدا عن الأسباب السياسية والاقتصادية، يعتقد الكثير من الأوروبيين أنهم والأمريكان يتقاسمون الكثير من القيم المماثلة، حيث تعتبرالولايات المتحدة هى أقرب البلدان غير الأوروپية إلى الأوروبيين الذين بدا اهتمامهم بالانتخابات الأمريكية واضحا، كما كما لو كان لهم الحق فى التصويت فى العملية الانتخابية، أو يتمنون ذلك، حتى علقت مجلة الشؤون الأجنبية FP قائلة: "يبدو أن معظم الأوروبيين متخصصون فى الشأن الأمريكى أكثر من كونهم متخصصين فى الشأن الأوروپى نفسه!".

وربما كان هذا هو السبب فى استمرار إعلان رفض واستياء معظم الأوروبيين لما جرى فى الانتخابات الرئاسية بالولايات المتحدة منذ عام 2016، منذ لحظة ترشيح وفوز دونالد ترامپ  بالانتخابات الأمريكية حتى الانتخابات الأخيرة 2020، حيث حلموا بالخلاص من هذا الرجل لتصحيح الخطأ الذى وقع منذ 4 سنوات، فى ظل وصف البعض له بالكابوس.

ترامب 17٪ فى أوروبا

ولهذا، جاءت نتيجة الدراسة التى قامت بها "إيزابيل هوفمان" من مؤسسة برتلسمان وكاثرين دى فريس، أستاذة العلوم السياسية فى جامعة بوكونى فى ميلانو.. موافقة لتوقعات من سيصوت له الأوروبيون فى سباق الانتخابات الرئاسية، حيث  بلغت نسبة مؤيدى ترامب 17٪،  بينما اختار 45٪ من المشاركين جو بايدن. أما الـ38٪  الباقين، فأعلنوا أنهم لن يصوتوا لأى من المرشحين، ما جعل المؤسسة تتساءل: كيف  تم التعبير عن كراهية ترامب فى أوروپا - باستثناء بولندا – هكذا؟ وقد جاءت نتيجة الـ38٪  من بعض بلدان جنوب أوروبا مثل إسبانيا وإيطاليا، وفرنسا، مقابل الموقف الأقل تشددا من بعض دول شمال غرب أوروبا وبعض البلدان الشرقية التى تدين بالفضل للولايات المتحدة فى موقفها المعادى للشيوعية والحرب الباردة.

ما يعنى تأكيد الزعم بفقد ثقة الأوروبيين فى سياسات الولايات المتحدة ونظامها الرأسمالى وسياستها الخارجية!، وهو ما أكدته وزيرة الدفاع الألمانية أنجريت كرامب كارينباور، حينما أكدت على فكرة ازدياد المشاعر المعادية لأمريكا فى بلدها! فى ظل مختلف الظروف، ويبدو أن وجود ترامب على السلطة كان أهم أسباب تلك الكراهية.
 

فهل هذا الرجل بمثل هذا السوء حتى يجتمع  ضده الكثير من الشعوب خارج أمريكا؟، ناهينا عن الأمريكان الذين انقسم موقفهم بين مؤيد متشدد للرجل يدافع عن تصرفاته وسياساته وخطاباته وتغريداته، وبين رافض لكل ما يبدر منه بدءا بطريقته المسرحية فى الأداء، وكأنه لم ينس أبدا أنه كان نجم تليفزيون الواقع، أو لم ينس رغبته القديمة فى أن يكون ممثل سينما.

وهناك فريق الكنبة أيضا، الذين لا يهمهم  شخص الرئيس بقدر ما يهمهم إنجازاته وما حقق لهم من مصالح حياتية!، ناهينا عن الحزب الديمقراطى كمنافس طبيعى، يلعب دور المحقق  والمحلل لكل ما يبدر من الرئيس الجمهورى ومؤسسته، استعدادا لخوض الانتخابات القادمة، ورغبة فى الحصول على المزيد من التواجد بالكونجرس الذى يسيطر عليه الجمهوريون حاليا، حيث يحتاج أى منهما لأغلبية صريحة بـ51 مقعدا، بينما يتنافس الفريقان هذا العام على 35 مقعدا من أصل 100 مقعد.

تحليل أم تشويه شخصية الرئيس!

فمن هو دونالد ترامب؟ ولماذا يثير الجدل حوله بهذه الصورة؟ وهل حقق شعاره أمريكا أولا، كما جاء فى خطابه الأول؟، ولماذا يكاد يكون الرئيس الوحيد الذى تصرف هكذا حينما لم تحسم خسارته ولا فوزه فى الانتخابات الرئاسية الحالية وكأنها قضية شخصية؟

منذ فترة طويلة ، انتشرت المقالات والدراسات النفسية لشخصية الرئيس الأمريكى الحالى، والحق أننى – وربما لتقصير منى- لم أجد دراسة واحدة تنصفه، ما أثار تساؤلى عما حملته التفسيرات والتحليلات النفسية للرؤساء السابقين، وما إذا كانت هذه التحليلات تتم بهدف الضغط عليهم؟ أم ماذا؟، فهل يجب أن يكون الرؤساء الأمريكان معصومين من الخطأ؟، وهل كل الرؤساء السابقين كانوا مكتملين نفسيا؟،  أوباما مثلا - الذى يصفه البعض بأنه أحقر رئيس عرفته أمريكا – هل كان أفضل من ترامب؟، فإذا كان الإنجاز لا يتعلق بالسلوكيات الشخصية للرؤساء، فلماذا يتم استخدام تلك التفسيرات والدراسات كذريعة ضد الرئيس الحالى؟

فمن ناحية، تم تشويه تاريخ الرجل الشخصى باستخدام ما كتبه عن نفسه وما كتبته مارى ترامب ابنة أخيه عنه وعن نشأته والقسوة التى كان يجدها من والده الذى كان يقهره ويكره محبته لأخيه الأكبر، وكيف خلق هذا شخصية مشوهة داخله! وكيف كانت أمه نرجسية لا تهتم سوى بنفسها، وغيرها من التفاصيل التى تصر على أن الرجل لديه مشكلة نفسية!

ففى عام 2017، اجتمعت مجموعة من المتخصصين فى الصحة العقلية على ما أطلقوا عليها الحالة الخطيرة لدونالد ترامب، معتبرين أنه غير لائق ليكون رئيسا، موضحين تصوراتهم المهنية عنه من خلال تصريحاته وأفعاله المعروفة، مثلما ربطوا بين صحته العقلية وبين سلوكه والنرجسية المرضية التى يتمتع بها وتنطوى على الاستغلال وضعف التعاطف، إلى جانب الاعتقاد بأنه متفوق على الآخرين، يبالغ فى الاعتقاد بمواهبه وإنجازاته، ويتوقع الإعجاب المستمر والثناء؛ لاعتقاده بأنه مميز وناجح دائما! مثلما ألمحوا لعدم قدرته على إدراك مشاعر الآخرين، وأنه يتوقع أن يفعل الآخرون ما يريد، وليس لديه مانع من استغلال الآخرين، ولا يمانع فى الازدراء بمن هم أقل منه! قالوا إنه غيور، ومن السهل أن يجرح الآخرين، ويرفض الاعتراف بخطئه. يميل للخداع والاندفاع، والتهيج  والعدوانية، والاستهتار بسلامة االنفس والآخرين، وعدم الندم، واللامسؤلية! مثلما ألمحوا لهشاشة ثقته فى نفسه التى تتسبب فى قسوته! كما أنه غيرعاطفى، ويميل لتحيد أهداف غير واقعية، ولا يحافظ على علاقاته بطريقة صحية! وقد تتحول نرجسيته إلى جنون العظمة، واتخاذ قرارات ضعيفة ومتقلبة، مع عدم الامتثال للقوانين والأعراف الاجتماعية.

يحبون أفكاره

شبهوه بالرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون فى كراهية الشعب له، رغم أن بعض المحللين  أكدوا أن شخصية ترامپ تلعب الدور الأكبر فى التأثير على بعض الناس الذين يحبون أفكاره والطريقة التى يقدمها بها! مما يعمل على استمرار شعبيته، اعتمادا على امتلاكه الكاريزما التى تمنحه الثقة والحسم  فيما يقول حتى لو كان ما يقوله خطأ، مما يشكل جزءًا كبيرًا من جاذبيته! فالرجل يمتلك الإجابات البسيطة على كل شىء، ما يجعله قادراعلى الإيحاء بأنه على حق؛ مما يدعم ثقة الشعب فيما يفعل ويقول، فيستجيبون لديناميكيته، وقوته، وحركات جسده، وابتساماته الواثقة، مثلما يستجيبون لتعبيرات الوجه التى تنقل لهم الإحساس بالسلطة والقوة.. فتنتقل طاقته المُعدية لهم، وهكذا يشعرون بالقدرة والثقة فى النفس من خلاله!

السبب الثانى هو مما يقال عن قدرة الرجل على مخاطبة الناس بما يحبون وما يكرهون، مثل قضية كراهية الكثير من الأمريكان للمهاجرين، حيث يتمتع ترامپ بشعبية كبيرة بين الأشخاص الذين ليس لديهم شهادات جامعية، ممن لا يريدون المهاجرين لتنافسهم معهم على الوظائف.

يحبون ترامب لأنه غالبا ما يقول أشياء يخشى الناس قولها، كما إنه مثير للكثير من الناس لأنه يقول الأشياء التى يشعرون أنهم لا يستطيعون قولها!وقد قيل الكثير عن قدرته على تجاهل الزلات، خاصة عندما ما يدلى بتصريحات غير حساسة أو خاطئة من الناحية الواقعية، فهو لا يخاف الإعلام  الرسمى ولا يخشى من العاملين فى السلطة!

وفى النهاية، ما قيمة كل هذا التحليل فى ظل منظومة رئيس الجمهورية الذى لا يعمل بمفرده بأية دولة؟، وما قيمته والكثير من التقارير تقول إنه الرئيس الذى حقق ما وعد؟.. فمن منا بلا مشكلة نفسية يدينه أولا!

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز