في أحد أركان سوق الخميس بمدينة العريش، يجلس "عم حسن" خلف ماكينة خياطة تقليدية، ممسكًا بخيوطه وأدواته القديمة، ويواصل عملًا تعلمه منذ عشرات السنين، وكأنه يحاول بيديه الحفاظ على حرفة تتراجع أمام المنتجات الحديثة والمصنعة آليًا.
عم حسن البلبيسي، الذي ارتبط اسمه في مدينة العريش بصناعة وإصلاح الشمسيات والخيام، بدأ رحلته مع هذه المهنة منذ أكثر من 33 عامًا، بعدما تعلم أصولها داخل أسرته في مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية، قبل أن ينتقل إلى شمال سيناء ويستقر في العريش.
داخل مساحة صغيرة، تتحول قطع القماش والخشب والخيزران والمعدن إلى شمسيات وخيام، بينما تؤدي ماكينة الخياطة التقليدية دورًا أساسيًا في عمله، إلى جانب المقص والمتر والأدوات البسيطة التي يستخدمها في القص والتفصيل والإصلاح.
مهنة ورثها عن الأجداد
لم يتعلم عم حسن هذه المهنة من كتاب أو خلال دورة تدريبية، وإنما ورثها عن أسرته، وتعلم تفاصيلها على يد والده، قبل أن يحملها معه إلى العريش.
وعلى مدار سنوات طويلة، لم يقتصر عمله على صناعة الشمسيات الجديدة، بل تخصص أيضًا في إصلاح القديمة وتجديدها، وهو ما جعله مقصدًا لمن يرغب في الحفاظ على شمسيته بدلًا من شراء أخرى جديدة.
وبالنسبة له، فإن إصلاح قطعة قديمة ليس مجرد عمل يحصل مقابله على أجر، وإنما جزء من مهنة عاش معها سنوات طويلة وأصبحت جزءًا من هويته.
ويقول عم حسن إن صناعة الشمسيات ارتبطت بطبيعة مدينة العريش وشواطئها، إذ كانت الشمسيات المصنوعة يدويًا جزءًا من مشهد المصطافين ورواد البحر.
ومع مرور الوقت، تغيرت طبيعة الحياة وتنوعت المنتجات، لكن عم حسن ظل متمسكًا بمهنته، ووسع دائرة زبائنه لتشمل أصحاب المشروعات الصغيرة والباعة الذين يحتاجون إلى الشمسيات للحماية من أشعة الشمس.
ويؤكد أن العمل اليدوي له زبائنه، وأن جودة الخامات ودقة التصنيع هما سر استمرار هذه المنتجات لسنوات طويلة.
"مابسيبش حد محتاج"
"مابسيبش حد محتاج حاجة إلا وأعلمها"، بهذه الكلمات يلخص عم حسن فلسفته في التعامل مع زبائنه، خاصة المواطنين البسطاء الذين يلجأون إليه لإصلاح شمسياتهم القديمة بدلًا من شراء أخرى جديدة.
فهو يدرك أن قطعة القماش أو الهيكل المتهالك قد تبدو بسيطة، لكنها بالنسبة لصاحبها تعني توفير مبلغ من المال، ولذلك يحاول أن يجعل تكلفة الإصلاح في متناول الجميع.
حرفة تخشى الاندثار
رغم عشقه للمهنة وخبرته الطويلة، فإن السؤال الأصعب يبقى: من سيحمل هذه الحرفة بعده؟
حاول عم حسن نقل خبرته إلى أبنائه، لكن المهنة لم تعد بالنسبة للأجيال الجديدة مصدرًا مضمونًا للدخل، في ظل تغير احتياجات الناس وانتشار المنتجات الجاهزة.
فالحرفة التي كانت مصدر رزق لعائلة كاملة أصبحت اليوم مهددة بأن تتحول إلى مجرد ذكرى.
وبينما تتغير شوارع العريش وتتغير معها أنماط الحياة، يظل عم حسن في مكانه، يمارس مهنته بالطريقة التي تعلمها من والده وأجداده، مؤمنًا بأن "الرزق على الله"، وأن الحرفة التي أحبها طوال حياته تستحق أن تستمر.