البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
موجة جديدة من الهجوم على مصر تحت غطاء حقوق الإنسان يصاحبها ظهور الأفاعى من جحورها، وحملة ممنهجة من إعلام الشر الممول من قطر والمدعوم لوجستيا من تركيا و المبث من الدوحة وإسطنبول ولندن لتسويق أن كارثة قد حلت بنا، بتصويت البرلمان الأوروبى يوم الجمعة الماضى على مشروع قرار حول حالة حقوق الإنسان فى مصر. 

فى حين أن الأمر لا يعدو كونه مجرد بيان، غير ملزم من كيان منزوع الصلاحيات يصدر توصيات لإرضاء منظمات حقوقية مسيسة أسيرة لمن يمولها، جاء البيان استمراراً لنهج غير مقبول من القرارات المشابهة التى يصدرها البرلمان الأوروبى فى هذا الشأن تجاه دول عربية، وهو أيضا نسخة مكررة من بيانات سابقة فى ذات السياق تستصدرها منظمات مدعومة من جهات خارجية تضمر العداء للدولة المصرية، تتبنى وجهة نظر جماعة الإخوان الإرهابية والمتعاطفين معها و"شلة" النشطاء من المرتزقة وسماسرة الأوطاء وهو ما يؤكد الحضور والنشاط الملحوظ لـلإخوان داخل تلك الجهات - بما فيها البرلمان الأوروبى- والتى اعتادت نشر انطباعات دولية دون دراسة عملية على أرض الواقع والاعتماد على قشور القضايا، وتسييس الملفات.

بيان البرلمان الأوربى يحمل نهجاً غير متوازن، وغير مقبول ويطرح تساؤلات كثيرة حول توقيت مثل هذه البيانات ضد مصر واستغلال ملف حقوق الإنسان كذريعة للتدخل فى الشؤون الداخلية للدولة المصرية وهذا فى حد ذاته انتهازية وانتهاك صريح لحقوق الإنسان، وأمر يتنافى مع المواثيق الدولية ومع سيادة مصر على أراضيها، و محاولة جديدة للابتزاز السياسى.

البيان يطالب بالإفراج عن مسجونين بسبب ظروف جائحة كورونا وهو ما يدعو للدهشة والسخرية ويعد تدخلا سافرا فى الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة، فهل تقبل مثلا أى دولة من دول الاتحاد الأوروبى أن يصدر البرلمان المصرى توصية للإفراج عن مساجين فى أوروبا بسبب جائحة كورونا التى تجتاح أوروبا بالملايين مقارنة بالأوضاع فى مصر، هل يعتبر رقم الإصابات فى أوربا مبررا للإفراج عن مجرمين وإرهابيين؟! هل نصَّب البرلمان الأوروبى نفسه ‏وصياً على مصر، لخدمة ‏أغراض سياسية، لا علاقة لها بحقوق الإنسان؟!

لا أعتقد أن دولة أوربية ستقبل تطبيق بيان البرلمان الأوربى على نفسها أوالسماح لأى شخص أو جهة بالتدخل فى شؤونها بما يعد خروجا عن الشرعية و القوانين و المواثيق الدولية.

وما يثير الغرابة أن تجد نفس البرلمان الأوربى صامتا تجاه ما تفعله تركيا على سبيل المثال من استفزازات فى شرق المتوسط والتعدى على حقوق دولة أخرى عضو فى الاتحاد الأوربى هى اليونان، كما لم يحسم البرلمان أمره من انتهاكات تركيا لكل المواثيق والقوانين الدولية فيما يتعلق بملف الطاقة فى المتوسط مثلما لم ينطق بكلمة تجاه ما يمارسه الرئيس التركى رجب طيب أردوغان من قمع للمعارضة وتضييق على وسائل الإعلام وسجن للصحفيين حتى بعدما تحولت تركيا - بحسب الإحصاءات الدولية -لثانى أكبر سجن للصحفيين فى العالم. 

كما صمت الاتحاد الأوربى تجاه تركيا فيما يخص موقفها من القضية القبرصية، وهو نفسه البرلمان الأوربى الذى لم يصدر إدانة واحدة لانتهاكات حقوق الإنسان أثناء السنة السوداء التى حكمت فيها جماعة الإخوان الإرهابية مصر، والتى شهدت العديد من وقائع الإقصاء والتعذيب والانتهاكات، ومحاولات التحريض العلنية ضد شركائنا فى الوطن وحرق أكثر من 66 كنيسة، ناهيك عن أحداث العنف والقتل التى ارتكبتها الجماعة ولم تعطِ أى اعتبار لقضايا حقوق الإنسان وحماية حرية الرأى والتعبير.

تضمن بيان البرلمان الأوربى الكثير من الادعاءات الباطلة المستندة إلى تقارير مشبوهة ومغالطات مغايرة للواقع، كما أنه لا يلائم الشراكة الاستراتيجية ‏المصرية الأوروبية.

لابد أن نعترف بأمرين الأول أن البرلمان الأوربى مخترق بالمال السياسى والأجندة السياسية من خلال العلاقات التى تقيمها الدول والتنظيمات المعادية لمصر مع بعض أعضاء البرلمان و هذا ليس بجديد ؟

الأمر الثانى أن هناك حلقة مفقودة بين البرلمان المصرى والنخب السياسية والثقافية والاجتماعية المصرية من جانب وبين البرلمان الأوروبى من جانب آخر تسببت فى ترك الساحة خالية لأعداء مصر من المنظمات المشبوهة والجماعات الإرهابية ومن ثم علينا تدارك هذه النقطة لإجهاض المحاولات المبذولة من جانبهم لتوقيف الدولة المصرية وعرقلة مساعيها الجادة نحو الاستقرار والتنمية، والعودة بها إلى المرحلة الظلامية التى سيطرت فيها جماعة الإخوان على مقدرات البلاد والعباد، وهذا يتطلب أن نتحدث بنفس اللغة التى تجيدها تلك الدول ونكشف لهم الحقائق فى حينها، ومن أبرز الحقائق التى تغيب عن البرلمان الأوربى على سبيل المثال فى مجال حقوق الإنسان بمفهومها الشامل، كيف حافظت مصر على حق الحياة الآمنة للمصريين بنجاحها فى محاربة الإرهاب الذى اعتبرت بعض الدول الأوروبية - مع الأسف- تنظيماته وجماعاته فصائل معارضة سياسية حتى اكتوت بناره، ولنا عبرة فيما حدث بفرنسا وإسبانيا وبريطانيا وبلجيكا التى تستضيف مقر البرلمان الأوروبى، فمصر حين جففت منابع الإرهاب، اختفى المشهد المؤلم الذى كان الجنود يعودون فيه بالعشرات جثامين داخل توابيت ملفوفة بعلم مصر جراء العمليات الإرهابية، فحق الحياة هو أول وأعظم حقوق الإنسان، ومصر حاربت وتحارب الإرهاب نيابة عن العالم مثلما أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى فى خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل سنوات.

ويغيب عن البرلمان الأوربى أيضا أن مصر كانت شريكا فاعلا وبقوة مع أوروبا فى ملف اللاجئين الذى شكل تحديا اجتماعيا واقتصاديا خطيرا على دول أوروبا، واستضافت مصر وفقا لتقرير الأمانة الفنية للجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان فى مارس 2020 حوالى 256 ألف لاجئا و طالبا للجوء دون التعامل معهم كلاجئين.

يغيب عن البرلمان الأوربى أن مصر دشَّنت أضخم خطة تنمية فى تاريخ مصر للقضاء على الفقر والبطالة والمرض وتحسين الأحوال المعيشية، ويعمل بها 55 آلف جمعية مجتمع مدنى وفقا للقانون ونقلت مصر آلاف المصريين ممن كانوا يعيشون فى العشوائيات إلى مدن سكنية جديدة تليق بالحياة الآدمية وهذا فى حد ذاته من أهم حقوق الإنسان لو كان ذلك يهم البرلمان الأوربى و من يحرضه ضد مصر.

وفيما يخص الأوضاع فى السجون وما يتردد حولها من أكاذيب يروجها إعلام جماعة الإخوان الإرهابية، فالقول الفصل فى هذا الملف هو أن السجون مفتوحة لمن يريد أن يزورها وهذا متاح لكل الوفود ومنظمات المجتمع المدنى ووسائل الإعلام فى الداخل والخارج وخلال العامين الماضيين تمت بالفعل زيارات دورية للسجون المصرية من منظمات دولية ووسائل إعلام عالمية، لم تعد مصر تخفى شيئا والمعلومات والحقائق أصبحت متاحة.

أما فيما يخص حديث البرلمان الأوربى بالأسماء عن أشخاص شكلوا كيانًا غير رسمى اسمه المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فلا أفهم كيف يدافع البرلمان الأوربى عن مخالفين للقانون؟ فهؤلاء الأشخاص أسسوا شركة وفقا لقانون الشركات ثم مارسوا نشاطا آخر بالمخالفة للقانون تحت غطاء حقوق الإنسان وحين اتخذت الدولة حيالهم إجراءات قانونية مثلما يحدث مع المخالفين للقانون فى أى بلد بالعالم قامت الدنيا و لم تقعد!! 

ناهيك عن أن المذكورين وفقا لما كشفته أجهزة الأمن المصرية عقدوا اجتماعا مع عدد من السفراء الأجانب لبحث ما وصفوه بأوضاع حقوق الإنسان فى مصر، ولا نعرف تحت أى صفة يتحدثون مع سفراء أجانب بإسم مصر؟!، ولك أن تتوقع ما ينتج عن مثل هذه الاجتماعات من ترويج للأكاذيب والافتراءات فى هذا الملف فى محاولة خبيثة لاستخدامه كورقة ضغط على الدولة المصرية.

وفى إطار حرص الدولة المصرية على كشف الحقائق وإحداث التواصل مع البرلمان الأوربى أرى أن وزارة الخارجية فى حاجة إلى دعوة سفراء دول الاتحاد الأوروبى للقاء مفتوح توضح فيه حقيقة الأوضاع فى مصر، وأننا فى حاجة أيضا لدعوة ممثلين عن الأحزاب المشكلة للبرلمان الأوروبى لحوار موسع لمناقشة ما ورد فى هذا البيان من مغالطات وكشف الدوافع و الأسباب الحقيقية لدى من خططوا لإخراج هذا البيان وصاغوه بتلك اللهجة العدائية، مع التشديد على موقف مصر الرافض لمثل هذه المحاولات التى لا نبالغ لو قلنا أنها تندرج تحت مسمى الحرب على الدولة المصرية وذلك لمنع إصدار مثل تلك البيانات مستقبلًا.

أخيرا، وإن كنت أتحدث عن ضرورة التصدى لمثل هذه المحاولات الخبيثة التى تستهدف النيل من الدولة المصرية وأهمية رفض هذا البيان المكذوب فأنا أيضا أرى أن لا نحمل الأمور أكثر مما تستحق، فمصر الآن صاحبة قرار مستقل وفى أقوى حالاتها على مختلف الأصعدة و لديها مؤسسات قوية تحميها وبين أيديها أوراق ضغط كثيرة ومهمة لحماية مصالحها، وتدير ملفاتها الخارجية بمنتهى الحرفية والمهارة، وليس مجرد ورقة للمكايدة السياسية هى التى تزعجنا، وعلى طريقة المصريين أصحاب الدم الخفيف نقول لهم : بيانكم اعملوه طيارة ورق وطيروها، مصر كبيرة ولن تنحنى أبدا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز