البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
التحدي الأهم في رأيي الذي يواجه العالم في السنوات القليلة المقبلة سيكون في شكل العلاقات الدولية وفي موازين القوى ومفهوم القوة الشاملة للدولة، وهل ستظل الدول الكبرى كبرى، والنامية نامية؟ أم ستتغير الأماكن أو ستنشأ قوى جديدة؟، كيف سيكون شكل الأحلاف باختلاف أنواعها؟، كيف ستدير الدول مصالحها بمعادلات جديدة تختلف كثيرا عن تلك التي سادت لعقود وتحديدا منذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي السابق؟

في عصر اجتاحه التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق، في رأيي بحسب المعطيات الحالية وتراكمات السنين الماضية فإن شكل العلاقات بين الدول سيحدده معياران فقط، هما الاقتصاد والبحث العلمي، فالاقتصاد دائما يقود السياسة أو بالعامية المصرية "الاقتصاد يسوق السياسة أمامه" وتظهر تداعياته سريعة على الشعوب والأنظمة والحكومات، وبسببه تندلع الحروب وبسببه أيضا تخمد، فلا شك أن التبعات الاقتصادية العالية فرضت عزلة على اقتصادات القوى الكبرى وشردت مئات الملايين من العمالة، وكانت النتيجة تعرض النظام العالمي لأزمة وعدم استقرار بسبب الانحسار الاقتصادي وظهور خلافات داخلية فيما بين الدول الكبرى.

أما البحث العلمي فيتحمل مسؤولية حماية الجنس البشري من المخاطر والأزمات العادية والطارئة، وليس خافيا أن البحث العلمي عبر التاريخ يخضع لحسابات السياسة، وإلا فلماذا خططت أجهزة الاستخبارات العالمية لتصفية علماء بعينهم في بعض الدول، واستقطاب آخرين، والقصص في هذا الشأن كثيرة، ولا نبالغ لو قلنا إن السياسة أدخلت البحث العلمي في سوق تحكمه هي وتحدد سعره، للدرجة التي تجعلنا مثلا نشك في أن أي تقدم في البحث العلمي عالميا له سقف غير مسموح بتجاوزه.

وقد يكون إبقاء الحال على ما هو عليه في البحث العلمي من مصلحة جميع اللاعبين السياسيين الأساسيين في العالم، وهذه واحدة من ألاعيب السياسة، فالبحث العلمي يدخل في حسم الحروب بنوعية السلاح، ويدخل في علاج البشر بنوعية الدواء، ويدخل في تجنب الكوارث الطبيعية عندما يتنبأ بها ويضع الحلول، وكل الشواهد تؤكد أن العالم دخل بالفعل عصر الأزمات المتتالية منذ سنوات، كما نرى الآن من زلزال إلى زلزال ومن حرائق إلى أعاصير ومن جائحة كورونا إلى تغير مناخي ينذر بخطر يهدد الأحياء والأموات.

لذلك أقول إنه لا سبيل إلا إعادة النظر كليا في نموذج العلاقات الدولية، بعدما ثبت فعليا أن منظمات المجتمع الدولي وعلى رأسها الأمم المتحدة بأجهزتها التي تهيمن عليها القوى الكبرى بعتادها وعديدها تأخرت كثيرا في إيجاد حلول علمية لإنقاذ البشرية من الحروب والصراعات والأزمات.

وكما قلنا فهذا الفشل في التعاطي مع الأزمات وأسبابها وإن كانت في جانب منها ترجع إلى الهيمنة على الموارد " صراع اقتصادي"؛ ففي الجانب الآخر الأكبر والأخطر والأهم، هو قصور يصل إلى حد الفشل في البحث العلمي على المستوى العالمي، رغم ما تتباهي به بعض الدول في إعلامها من ضخامة ميزانيات البحث العلمي لديها!!، وحتى لو كانت براءات الاختراع عالميا تخضع لحسابات السياسة.

فالشعوب كانت تنتظر اللحظة التي يعلن فيها صناع القرار في العالم انتصار الإنسانية على السياسة وإنقاذ البشر من الخطر والمرض، وهذا لم يحدث لسنين طوال، فقط كلام في الإعلام لا يخرج عن كونه مجرد كلام بلا نتيجة، الأمراض المزمنة لا تزال مزمنة منذ قرون، والأوبئة تتطور وتبتكر أجيالا جديدة منها.

والضحية دائما هي"الإنسانية" التي لم تستطع كمبدأ أن تؤثر على نموذج المصلحة في العلاقات الدولية وبالتالي أتوقع أنه سيكون للعالم كله وقفة، وستكون هناك رغبة مستقبلا في "أنسنة" العلاقات الدولية عبر نموذج جديد تصبح الغلبة فيه للدولة العلمية والإنسانية وسيسعى العالم نحو الانتماء لقوميات جديدة، بمعايير مختلفة بدلا من المعيار الاقتصادي التنافسي الاستهلاكي السريع.

ولكن هذا حتى يحدث سيحتاج أولا إلى استقرار العالم على خريطته الجديدة بموازين القوى الجديدة، وبعدها ستبرز أفكار مناهضة للعولمة والمهاجرين، وستظهر قوميات "جديدة قديمة" كنتيجة حتمية لفقدان الثقة في الديمقراطيات الغربية بكل نماذجها، لكونها لم تجلب للبشرية السعادة، أو بالأحرى لم تحافظ على حياة البشر، وما كان من الغرب المتطور الذي لم يتوقف عن الحديث حول الثورة التكنولوجية في مجال البحث العلمي قبل أي أزمة وأثنائها إلا أن جلس مراقبا حتى النهاية ولا يبالي بالضحايا سواء كانت دول أو أفراد.

سيعرف العالم مستقبلا أن خلاص الإنسان من تعاسته سيكون بديلا لديمقراطيات القوة والتلويج بالقوة والردع والتخويف والمنافسة والاحتكار، وستبرز ديمقراطيات جديدة تعتمد مبادىء السلام والتعاون والتعايش.

سيختلف تقييم الدول من حيث الفقر والغني، نظرا لاختلاف معايير قياس الفقر مستقبلا، فجائحة كورونا على سبيل المثال أظهرت كم من دول فقيرة اقتصاديا كانت غنية بإنسانيتها وأخلاقياتها وقامت بإعلاء قيم الإنسانية حتى ولو بالتعبير الرمزي.

في تصوري أن هذا الكم من الأزمات والصراعات والحروب في العالم سواء ما كان للسياسة دخل فيها أو الكوارث الطبيعية؛ ستكون سببا في انهيار تحالفات سياسية واقتصادية بقيت عشرات السنين تظن أنها قوية ومع أول اختبار بانت هشاشتها، وعليه قد تعود بعض الدول إلى هويتها الأصلية وتعتمد على ذاتها وترصد ميزانيات مهمة للبحث العلمي، وقبل ذلك تحرر البحث العلمي من حصار السياسة، وتعيد تأهيل قدراتها للتعامل مع الأزمات الافتراضية والتخطيط للتوقعات في عالم معقد ومتغير باستمرار.

سيعرف العالم مراكز قوى جديدة وجديدة قديمة، بعدما لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية كقطب أوحد قيادة العالم بشروطها التي كانت تمليها من طرف واحد، فقد نشهد منحى جديد في العلاقات الدولية، تكون فيه أمريكا مطالبة بالبحث عن سياسات مختلفة تحقق التوازن في علاقاتها بجميع الدول الكبرى منها والصغرى، وإنهاء التحكم في قرارات الهيئات الدولية قبل أن تفقد الأمم المتحدة دورها ويتلاشى مجلس الأمن وينتهي الفيتو.

أخيرا: الأزمات التي يعانيها العالم على صعوبتها ستنقل الإنسانية إلى واقع جديد ستعيشه أجيال قادمة، سيكون للبحث العلمي فيه الكلمة العليا، وستتغير كل المفاهيم على مستوى العالم اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز