البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
إن الأحداث المتسارعة التي شهدها العالم بشكل عام، في ظل ظروف سياسية استثنائية تُوجِب ضرورة إعادة التفكير في علاقة الإعلام بالأمن القومي وضرورة وضع توصيفات محددة لمهام الإعلام  ووظائفه التقليدية التي أُنشئ من أجلها، خاصة الوظيفة السياسية، وكذلك المستحدثة التي ظهرت في ظل تطور تقني رهيب في مجال المعلومات والاتصالات خلال السنوات القليلة الماضية.

في تصوري أنه لم يعد مفهوم الأمن القومي قاصراً على البُعد العسكري التقليدي، ولكنه اتسع ليشمل أبعاد أخرى، لا تقل أهمية باعتبارها تهديدات غير مباشرة يُمكنها أن تؤدي إلى خلل في بنية المجتمع والدولة معاً، حيث ضم المفهوم مضامين متعددة تتداخل مع شتى أنظمة الحياة، كالإصلاح الاجتماعي، والارتباط بالقضاء والعدل، والتربية والإرشاد، ويعد الاستخدام السيئ أو غير المسؤول لوسائل الإعلام، والاختراق الإعلامي، والحرب الإلكترونية من أكبر الأخطار التي تهدد الأمن القومي.

إنها إذن معضلة قديمة جديدة تحكم علاقة الأمن القومي بالإعلام وانعكاس ذلك على دور الأخير في العلاقات الدولية، ويتماس مع هذه العلاقة من دون أدنى شك "السياسة" بكل ما تحمله الكلمة من معان.

فالإعلام ربما في أوقات كثيرة يقع في منطقة التماس بين الأمن القومي والهدف السياسي من جانب وبين ما يريدة ويتوقعه المتلقي من جانب آخر ومن ثم يعيش التواصل السياسي وضعية إشكالية خاصة؛ حيث كل مسؤول مطالب بأن يتواصل بهذا الشكل أو ذاك، والإعلام السياسي هنا يعبّر هنا عن طريقة الممارسة السياسية؛ وينتزع لنفسه شرعية باعتباره "قيمة سياسية" في حد ذاته.

وعليه فالاتصال السياسي عبر الإعلام هو مجال القضايا الجوهرية الكبرى، كون التواصل ملازم للسياسة، والفعل السياسي لا يمكن أن يستقيم دون اتصال وتواصل، والديمقراطية تستوجب اتصالاً حرًا ومنفتحًا، حتى قيل: إن الديماجوجيا أفضل من غياب الاتصال، لاسيما في ظل تنامي دور وسائل الإعلام، وتزايد تأثير الأشكال المقابلة للسياسة أو المناهضة لها، ومن هنا تبرزأهمية مساءلة الجدلية الثلاثية القائمة بين الإعلام و السياسة والأمن القومي، وهذا في العالم أجمع بما فيها الدول الكبرى التي تُوصف بارتفاع سقف الحريات فيها وإعلاء قيم الديمقراطية لاسيما مع ازدياد سطوة الحروب الدعائية من خلال ماكينات الإعلام الدولية التي تعمل بصورة ذكية وبإمكانيات ضخمة، بحيث يصعب التفريق بين الإعلام المسيس والموجه من جهة، وبين حق المتلقي في الحصول على الأخبار والمعلومات وممارسة حرية الرأي والتعبير من جهة أخرى.

أسئلة كثيرة في هذا السياق تطرح نفسها من عينة: هل من حق الإعلام أن يعرض ما يشاء من معلومات مهما كانت خطورتها وتأثيرها على الأمن القومي تحت شعار الحرية؟ وما هي المعايير والخطوط الحمراء التي يجب ألا يتجاوزها الإعلام فى نشر المعلومات؟ و كيف يمكن تحقيق التوازن بين حرية الإعلام في ظروف سياسية معينة وبين الحفاظ على الأمن القومى؟ وهل يجوز تجريم من ينشر معلومات تضر بالأمن القومي؟

كل هذه الأسئلة عند النظر إليها بعين المنطق والعقل والقانون في أي بلد في العالم تكون الإجابة أنه حال شكل الإعلام بمفهومه التقليدي والمستحدث تهديدا لأمن الأفرد والمجتمع، بدوافع سياسية أو بهدف الإثارة، أو السبق الإعلامي، أو المنافسة اللا أخلاقية، أودواعي الحرية اللامسئولة فهذا غير مقبول على المستويات كافة: شرقية وغربية، عربية وعالمية، وبالتالي فمن حق الدول التدخل بالقانون والتشريعات والأجهزة المعنية، لتأمين أيديولوجياتها، وتعزيز استقلالها السياسي وتحقيق الانسجام والاستقرار الاجتماعي، وضمان وحدتها الوطنية، ودفع أي تهديد يستهدف الجهد اليومي الذي تبذله الدولة لتنمية ودعم أنشطتها الرئيسية سياسية، واقتصادية واجتماعية، ومجابهة أي مُحاولات للإضرار بتلك الأنشطة، ومن ثم فمن حق الدولة أن تطمئن من ناحية وعي القائمين على الإعلام بمفهوم الأمن القومي، وأن توضح لهم أين تنتهي حرياتهم في إطار الحرية المسؤولة، التي تراعي مصلحة الوطن والنسق القيمي للمجتمع دون مجاملة أو مواربة أو نفاق، ومن حقها أيضا وضع خطوط حمراء تضمن بها حماية أمنها القومي.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية "بلد الحريات" كما يزعمون، هناك حالتان لا تحميهما النصوص الدستورية أولهما نشر تفاصيل حول تحركات الجيوش في زمن الحرب، وثانيهما نشر الكلام البذىء أو الخارج، الذي ىمن شأنه أن يثير أعمال عنف أو ارتكاب جرائم ولو نظرنا للحالتين سنجد أن بإمكاننا أن نفتح قوسين ونضع عنوانا وهو "كل ما يهدد أمن الوطن يخالف للقانون".

في هذا السياق، نذكر على سبيل المثال كيف طالب ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن، بإجراء تحقيقات واستجوابات لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية ومسؤولي التحرير والنشر فيها لأنها  كشفت فضيحة التجسس والتنصت على مواطنين أمريكيين، وكشفت برامج سرية حكومية تستخدم لمراقبة التحركات المالية المصرفية للمشتبه في قيامهم بإعمال إرهابية، بدون سند قانوني ووصف ديك تشيني ما فعلته نيويورك تايمز بالخيانة!

وفي مايو 2020 وقَّع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أمرا تنفيذيا يستهدف مواقع التواصل الاجتماعي بهدف إلغاء بعض جوانب الحماية القانونية الممنوحة لها ويتيح ملاحقتها قضائيا ويتهم موقع تويتر بخنق حرية التعبير، بسبب سياسة المحتوى التي وصفها بأنها تهدد السلم المجتمعي الأمريكي.

على الجانب الآخر، هناك من يحاول دائما تسييس المقاربة بين حدود الأمن القومي وحرية الإعلام ويطالب بمسح أي خطوط حمراء تحت شعار الشفافية وحرية التعبير وسرعة تداول المعلومات، ولو سلمنا أن بعض أنصار هذه الاتجاه لديهم قناعات فعليه بما يتبنون، فما من شك أن البعض الآخر غير خالص النية ولا نبالغ لو قلنا أنه يعمل وفق مُخططات اُتقن صُنعها تجاه قضايا وأهداف محددة، لم يكن من الممكن تحقيقها دون مساندة من الإعلام بتفعيل الشق الماكر من وظيفته السياسية.

أدركت الدول المتصارعة سياسيا مدى القوة الكامنة في الإعلام باعتباره  نقطة ارتكاز للمخططات الاستراتيجية داخليا وخارجيا، وعملت على تجنيد و تدريب وتمويل عناصر في الداخل والخارج لخدمة هذه المخططات تحت شعار حرية التعبير والديمقراطية.

في الوطن العربي سيظل النقاش حول الأمن القومي لا يخلو من التسييس بسبب تغير خريطة المنطقة بعد التقلبات السياسية التي شهدتها والتي ساهم فيها الإعلام بشكل رئيسي سواء بشكله التقليدي متمثلا في الصحافة ومحطات الإذاعة والتلفزة أو المستحدث متمثلا في شبكات التواصل الاجتماعي أو الإعلام الجديد.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز