د.حسام فاروق
هكذا كانت ثورة 30 يونيو، بقعة ضوء كبيرة كونتها ملايين الرؤس في شتى ربوع مصر، في أكبر تجمعات بشرية عرفها تاريخ الثورات في العالم، - بحسب ما رصدت الأقمار الاصطناعية الغربية التي بثت الحدث على الهواء مباشرة-.
كان الشعب المصري في الشوارع والميادين كطاقة نور كبيرة تتسع وتتسع لتضيء عتمة الوطن وتنقذه من مصير مجهول كان ينتظره على أيدى جماعة الإخوان الإرهابية، التي تسللت في غفلة من الزمن لحكم مصر، واختطفته لعام كامل، خططت فيه لكل ما هو خبيث على أرضنا الطيبة، صاحبة التاريخ والحضارة، بدءا من طمس الهوية المصرية -.
فقد كان الإخوان أعداء للحضارة - مرورا بتمزيق النسيج الوطني المصري وتقسيم الناس هذا من جماعتي وهذا من عدوي، وقتل الانتماء والولاء لأي شيء غير الجماعة الإرهابية، ومرشدها الذي قال: "ما الوطن إلا حفنة من تراب عفن"، وصولا إلى تفكيك مفاصل الدولة، وهدم مؤسساتها، واستبدالها بمليشيات من الأهل والعشيرة، وفي سبيل ذلك لا مانع لديهم من سفك دماء المصريين والقتل والتخريب، وهو ما حدث قبيل وبعد ثورة 30 يونيو، فقد دفع الشعب المصري من دمه الكثير، وقدم خيرة شبابه في سبيل التصدي لكل المخططات الشيطانية الخبيثة للجماعة الظلامية وأذنابها.
يظل العقل الإخواني الخرب غير مستوعب لما حدث وما كان في 30 يونيو 2013، وبنفس الغباء المتأصل وحتى بعد 11 عاما لا يزال يتعامل بنفس الطريقة وبمنطق فاقد الإحساس والذاكرة غير مستوعب أن الزمان والناس قد تجاوزوه، وأن المصريون بكافة طوائفهم بعدما اكتشفوا حقيقتهم - بمن فيهم البسطاء الذي انخدعوا لبعض الوقت بعباءة الدين التي ارتداها الإخوان-.
ليس مستغربا من العقل الإخواني الذي استبدل فصي مخه بزوج من الأحذية البالية، أن يتصور أنه لو خرج من جحره أثناء احتفالنا بثورة 30 يونيو ونعق كالبوم عبر فضاءاتهم المسمومة أو في مواقع التواصل الاجتماعي سينجح في أحداث وقيعة بين الشعب وقيادته ومؤسساته!.
صور له عقله الخرق أنه لو روج مثلا للشائعات بطريقته الركيكة التي لا تساوي "ربع جنيه صنعة" وبنفس السردية والبكائية المقززة، سيجد من يسمعه!.
اعتقد الإخواني الهارب أنه لو تسلل على سبيل المثال من خلال أزمة ما أومشكلة قد تحدث في أي مكان بالعالم وانتشر كالقطيع بتكليفات واحدة ومنشورات بنفس الكلمات يحرض في الشارع المصري ويبث سمومة "كعاهرة تتحدث في الشرف"، سيجد من يقول له أهلا وسهلا بك!.
حقا إنه أمر يدعو للضحك، يثبت الإخواني دائما أنه كلما حاول أن "يركب التريند" يركبه "التريند" و" يدلدل رجليه" وتصحبه اللعنات.
ما لا يعرفه العقل الإخواني " المركوب" من جماعته أن ثورة 30 يونيه لحظة وطن، حانت عندما أدرك الجميع أن خلاص مصر من الإخوان ضرورة حتمية لو أردنا بقاء الوطن، لم يستوعب حتى الآن أن ثورة 30 يونيو لم تقم فقط لعدم الرضا عن السياسات أوالرغبة في التغيير، ولكنها قامت في الحقيقة لاجتثاث فكر خبيث كاره للوطن بمعناه الحسي والمعنوي، بجغرافيته وتاريخه.
أدرك المصريون أن خطر الجماعة الإرهابية ليس فقط في فشلهم في الحكم على مدار عام كامل، تفاقمت وتعقدت فيه المشكلات والأزمات ولكن وهو الأهم أن جماعة الإخوان الإرهابية فئة كارهة للوطن بكل ما ومن فيه, كارهة للحرية والحضارة والفنون والثقافة وكل شيء، فعلى ما يبدو أن 80 عاما من العمل السري كانت كفيلة لأن تراكم لدى الجماعة الإرهابية كره يكفى لحرق البشر والحجر.
لكن هذا لا يمنعنا أيضا من التذكير بأن أحد أبرز مظاهر فشلهم في "سنتهم السوداء" هو الانفصال عن الشعب، فكأنهم كما قال الكاتب والشاعر الدكتور مدحت العدل "هم شعب ونحن "بقية المصريين" شعب "، حيث تعاطى الإخوان مع جميع ملفات بلادنا في شلل "بكسر الشين" فتسببوا في شلل "بفتح الشين" لكل مظاهر الحياة في مصر, وفي الأخير لا تنتظر من الكاره أي شيء وهذا ما حرك المصريين للثورة.
ما لا يعرفه الإخواني الذي يحاول الصيد في الماء العكر أننا ولله الحمد ماؤنا صفوا وبعون الله لم يخلق من يعكره، ولو أن لدينا ازمة مؤقتة هنا أو هناك، فالعالم كله لا يخلو من الأزمات، ولا توجد حكومات في الدنيا بلا أخطاء, المهم تداركها، ومن حق أي مواطن أن ينتقد كيفما شاء، طالما أراد الخير لنفسه ولبلاده، وكم من أزمات مرت علينا وتجاوزناها بالعمل والإرادة وتكاتف الشعب مع قيادته ومؤسساته، والأزمات على صعوبتها نحلها، ولا يمكن أن تنسينا الانجازات.
لم يفهم الإخواني الهارب الذي يحرض من مهربه أن تركيبة المصريين النفسية - حتى الغاضبين من أزمة ما - قد لفظته هو وجماعته، فالمواطن المصري البسيط الذي انخدع سابقا بخطاب ديني مزيف يرى الآن بأم عينه بلاده وهي تستضيف أكثر من 9 ملايين لاجئ من بلدان شتى، جاءوا ليحتموا بمصر الآمنة المستقرة، - ولا قدر الله- كان من الممكن أن يكون مثلهم بلا وطن، ومن ثم فهو يحمد الله على نعمة الوطن، فكم من دول - بعضها مجاور- تآكلت وتشتت شعوبها بعد موجات من الاضطرابات وعدم الاستقرار وتردي الأوضاع الداخلية وفقدان للأمن، كل هذا كانت الجماعة الإرهابية قد وضعتنا على عتبته لولا ثورة المصريين في 30 يونيه، لذلك ليست مبالغة أومصادفة أن ذكر ثورة 30 يونيه يصاحبه دوما عبارة "إنقاذ وطن".
لم ينس التاريخ أيضا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي غامر بحياته، عندما كان وزيرا للدفاع واختار أن يمتثل الجيش لإرادة الشعب ويحمي ثورته، وفي ظروف صعبة على كل الأصعدة انطلقت مسيرة جمهورية جديدة مهدت لها ثورة 30 يونيو بإصرار شعب وإخلاص قائد أقسم على حماية وطنه ورفعته.
ورغم الحروب الدولية والإقليمية والتقلبات الاقتصادية، واجهت مصر التحديات على مستويات عدة سياسية، واقتصادية، وأمنية، داخلية، وخارجية، ولم تتخاذل في التعامل معها بحزم، وخطت ومازالت خطوات ثابتة نحو البناء والتنمية، بداية من استعادة الأمن والقضاء على الإرهاب، مرورا بإصلاح الاقتصاد وإنشاء المشروعات الكبرى، وجذب الاستثمارات وتزايد قدراتها، وزيادة الاهتمام بالسياسات الاجتماعية وملفات التعليم والصحة، والإسكان والمرأة والشباب، والمصريين فى الخارج، وذوي الاحتياجات الخاصة وتشجيع المشاركة السياسية وإقامة حوار وطني وتدعيم الأحزاب وصولا إلى استعادة مكانة مصر إقليميا ودوليا وعالميا وإحداث التوازن والاستقلالية في السياسة الخارجية.
فتوجهت القاهرة شرقا نحو آسيا ووثقت علاقاتها مع روسيا والصين واليابان على مستويات مختلفة ومتعددة، وتوجهت جنوبا نحو إفريقيا، وفتحت أفق جديدة للتعاون المصرى الإفريقى فى قضايا مختلفة مثل مواجهة الإرهاب، وأزمة الغذاء، ومشاكل الطاقة والغذاء، والتغيرات المناخية، ولا تزال مسيرة التنمية ممتدة والأهداف كثيرة والإرادة صلبة.
سيظل يوم 30 يونيه 2013 من أعظم أيام تاريخ مصر الحديث، ثورة شعب استرد بها وطنه من جماعة إرهابية كانت تضمر الغل والحقد للمصريين وتحمل الشر لبلادنا.. لن أقول راجعوا مصر قبل 10 سنوات وشاهدوا بأم أعينكم كيف كنا؟ وماذا أصبحنا؟، وكيف تم بناء بلد نتباهى به بين الأمم، وسط إقليم مضطرب تتآكل فيه الدول القومية؟.. ولكن أقول: والله والله والله لو لم تثمر ثورة 30 يونيو إلا عن إزاحة جماعة الإخوان الإرهابية، فهذا يكفيها لأنها أنقذتنا من تجار الدين والدم وسماسرة الأوطان وسارقي الأحلام.