د.حسام فاروق
كيسنجر سياسى مثير للجدل والشغف معًا، مثير للجدل لأنه رغم اعتباره من أكبر المدافعين عن المصالح الأمريكية، كان أيضًا مؤيدًا لاستخدام القوة العسكرية ومدافعًا عن الديكتاتورية، ونسبت إليه تدخلات مريبة ظلت تلاحقه فى كل مكان حتى اليوم، ومثير للجدل أيضًا كونه برع فى التعامل مع البيروقراطية وجلب قرارات السياسة الخارجية إلى البيت الأبيض وكان نموذجًا لرجل إدارة الفرص النادرة بامتياز، ففى حين يحسب كيسنجر على الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون، بل ويصفه البعض بانه صنيعة نيكسون، حصل كيسنجر على مزيد من القوة بعد خروج نيكسون من السلطة بفضيحة "ووترجيت"، واستطاع كيسنجر بدهائه الفوز بسلطة استثنائية.
ومثير للشغف لأنه بالرغم من محدودية الفترة التى خدم فيها بصفة رسمية فى الولايات المتحدة؛ بداية من عمله مستشارًا للأمن القومى منذ عام 1969 فى حقبة نيكسون، ثم وزيرًا لخارجيته، ثم لخلفه الرئيس جيرالد فورد حتى عام 1976، كان من أكبر المؤثرين وصانعى السياسات الخارجية الأمريكية.
فى تصورى، أنَّ جزء كبير من الشغف المصاحب لاسم كيسنجر هو تعامله مع عمره بطريقة نفعية مدهشة وظف فيها كل مواهبه وجهوده لخدمة الولايات المتحدة وتمكينها وتعزيز دورها العالمى وقوتها وسط صراعات دولية طاحنة وتاريخية، وبذكائه أبقى نفسه فى دائرة الضوء، فكانت حياته مادة خصبة للمؤرخين والكتاب والمحللين والدراسات النفسية، وظل نجما عبر عدد من الكتب تناولت تجربته الحياتية والمهنية، استحق عنها لقب حكيم الدبلوماسية الدولية.
كيسنجر عندما سئل ذات مرة؛ كيف يمكن لك أن تصف حياتك؟، أجاب بقوله: "إنها بمثابة عطلة طويلة"، فتعامل مع حياته باعتبارها عطلة للمتعة، ما منحة ذكاء التخطيط وعدم تحمل الضغوط العصبية المتراكمة، لذلك ظل واحدًا من أذكياء السياسة الأمريكية القلائل وصناعها من ذوى التفكير والتفسير الاستراتيجى.
عاصر "كيسنجر" منذ اشتغاله بالسياسة عقودًا من الحروب والتقلبات وتغيرت عليه خريطة العالم جيوسياسيا أكثر من مرة، وقامت أنظمة وتلاشت، بينما هو باق فى موضع المراقب والمستفيد من التجارب، كان له دور فى أغلب الأزمات التى عاصرها مسؤولًا أمريكيًا، فتدخل فى جميع أنحاء العالم خلال السبعينيات سواء بشكل مباشر أم عبر إرثه، ثم تهيأت له الظروف ليصبح أحد أهم رواة تلك الأزمات، وهذه ميزة لا تُتاح لكثيرين مهما بلغت أدوارهم ومواهبهم.
كان "كيسنجر" فاعلًا سياسيًا واضحًا شكَّل الأحداث فى الصين وإفريقيا والشرق الأوسط، فى فترة زمنية بعينها يتردد صداها إلى اليوم، وبلغة الحسابات أبرز نجاحات كيسنجر كان الانفتاح على الصين والمساهمة فى دمجها بالنظام العالمى، فقاد اختراقًا سياسيًا مهما وخطيرًا فى السبعينيات ببناء علاقات ديبلوماسية مع الصين وإخراجها من المدار السوفياتى وإدخالها فى عالم السوق والرأسمالية، فكان صاحب اختيار الزعيم الصينى دينج زياو بينج، الذى كان يحتل المركز الثالث فى الترتيب بين قادة الصين وقتها بعد كل من ماو تسى تونج وتشوان لاى، رأى كيسنجر فيه نمطا مختلفا من قادة الصين رغم هدوئة الذى لم يكن يوحى بذلك!.
ولعل الصين نفسها تحفظ لكيسنجر هذا الجميل حتى اللحظة، فمع الصراع الخفى والحرب الباردة الجديدة بين الصين والولايات المتحدة، حرصت بكين على إرسال سفيرها فى الولايات المتحدة إلى كيسنجر لتهنئة بعيد ميلاده المئة، ويُحسب لكيسنجر أيضًا دوره فى إنهاء حرب 1973 بين مصر إسرائيل، ورغم أنَّ جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل وقتذاك توقعت منه الكثير، كونه من أصل يهودى، ورغم تعاطفه مع إسرائيل، دشن منهج الواقعية السياسية فى تصرفاته وكانت لديه توازنات جيوسياسية يصعب التنبؤ بها.
حصل كيسنجرعلى جائزة نوبل للسلام عام 1973 بسبب جهوده لوقف إطلاق النار فى فيتنام، فى ظل ظروف مثيرة للجدل، حيث استقال عضوان من اللجنة احتجاجًا على ذلك، ثم سعى كيسنجر لاحقًا، دون جدوى، إلى إعادة الجائزة بعد فشل وقف إطلاق النار، حيث يعتبره البعض أخفق خلال المفاوضات لإنهاء الانخراط الأمريكى فى فيتنام، وأيضا فى تشيلى.
انقسم المشتغلون فى السياسة بشقيها الأكاديمى والعملى وكذلك الإعلاميون فى تقييم الشخصية المؤثرة والمركبة لهنرى كيسنجر، فمنهم من يراه داهية سياسية وأنه الأهم والأكثر تأثيرًا فى النصف الثانى من القرن العشرين، وهذا الفريق أخذ يمجد إنجازات كيسنجر بشكل مبالغ فيه مكنته من أن يحتل مكانة سياسية مميزة وفريدة من نوعها بعد خروجه من المنصب الرسمى وبداية عمله الأكاديمى والاستشارى، فأصبح أحد أغلى المحاضرين فى العالم ويقدم المشورة للبيت الأبيض وكبرى الشركات متعددة الجنسيات وحافظ على علاقات قوية مع زعماء أوروبا وروسيا والصين، من هذا الفريق على سبيل المثال الدبلوماسى الأمريكى مارتن إنديك الذى وصف كيسنجر فى كتابه الأخير "المتحكم فى اللعبة" بأنه المعلم الأهم فى تاريخ صناعة السلام أو عدم صناعته، كما أصدر الصحفى الأميركى المخضرم والتر إيزاكسون، المتخصص فى السير الذاتية، كتابا بعنوان" كيسنجر" قال فيه نصا: "العالم كان سيفقد الكثير ولن يكون كما أصبح من دون هنرى كيسنجر"، كما وصفه البروفيسور توماس شوارتز، مؤلف كتاب "هنرى كيسنجر والقوة الأميركية"، بأنه الشخص الذى تفهم عبره السياسة الأمريكية الخارجية.
فى حين، يعتبره البعض مجرم حرب يجب محاكمته ويحمله فاتورة الحروب ومقتل آلاف الأبرياء فى تشيلى وكمبوديا ولاوس وفيتنام منهم على سبيل المثال الكاتب الأميركى كريستوفر هيتشنز فى كتابه "محاكمة هنرى كيسنجر"، الذى قال فيه إن حجم الجرائم التى نفذ من تحمل عقوبتها كيسنجر لا يليق بأى ديمقراطية غربية، كما يحكى الصحفى الأميركى سيمون هيرش فى كتابه الشهير "ثمن القوة.. كيسنجر فى البيت الأبيض"، كيف استغل كيسنجر ضعف نيكسون وخوف فورد من بعده لتمرير سياسات وقرارات خطيرة ومثيرة للجدل.
كيسنجر الراوى والكاتب والأكاديمى المثقف يظهر لك جليا حين تقرأ له، يأخذك إلى عالمه وفلسفته وثقافته المتشعبه ودرايته التامة بالتاريخ وكيفية ربط خيوطه بمنتهى الحكمة والمهارة، عقل ذكى ناقد شديد الدقة فى نظرته للأحداث وحكمه عليها وتوصيفه للصراعات ورسمه للمخارج منها عبر سياسات واستراتيجيات متكاملة، رغم تقدمه فى العمر لا يزال حاضرا فى مختلف أزمات العالم يصوغ أفكاره فى أكثر المواقف العالمية سخونة وتشابكا وتعقيدًا، لا تحتاج وقتا لتدرك أنك أمام مثقف حقيقي وأكاديمى لا يتكرر كثيرًا، ولست فى حاجة أيضا لتقرأ على أغلفة كتبه - أو تلك التى تكتب عنه- أسماء الجامعات العريقة التى درس وقام بالتدريس فيها، مثل جامعة هارفارد التى تفتخر إلى الآن بأنها قدمت للعالم ولأمريكا شخص مثل كيسنجر، ودخل كيسنجر قرنا جديدا من عمره ليثبت أن العقول النشطه لا تشيخ.