د.حسام فاروق
فى مثل هذا الحراك السياسى الذى ربما لم يمر على العالم إلا مرات معدودة، الدول الذكية هى التى تملك مقومات استمرارها فى كل وأى الأحوال، وبالمناسبة هذه المقومات عديدة وليست محصورة فى النظرة الضيقة التى تصنف الدول حسب اقتصاداتها، فهناك دول تملك ما لا يقدر بثروات الدنيا المادية، تملك التاريخ والحضارة والموقع والقوة البشرية، ولذلك وضعت كل هذه المعايير فى الاعتبار عند قياس القوة الشاملة للدولة.
نعود لموضوعنا، ماذا تفعل الدول فى لحظة تغير موازين القوى فى العالم؟
وسط هذا الحراك الذى يصل إلى حد التطاحن، ويشهد كل صنوف الحروب، التقليدية والمستحدثة، حروب الألات العسكرية وحروب المعلومات والعقول، والذى قد يصل فى لحظة من اللحظات إلى الانفجار الذى سيتجاوز بالطبع الطرفين أو الأطراف المتطاحنة، ليطال معظم دول العالم.
من الدهاء السياسى المحمود فى هذه الحالة أن تلجأ كل دولة إلى قياس المستقبل، فهذا أمر فى غاية الأهمية والضرورة، ولذلك أصبح علم الدراسات المستقبلية فى العلوم السياسية مهما لدرجة أنه الآن يدرس فى كل كليات العلوم السياسية والأكاديميات العسكرية فى العالم.
أتصور أنه على الدول التى تواجه صعوبات وتحديات عديدة على صعيد الاقتصاد والتنمية وتصارع من أجل الحفاظ على الدولة الوطنية أن تضع تصورات لكل السيناريوهات المستقبلية الممكنة فى العالم من حولها، قبل وقوعها وتدرسها جيدا، لا سيما تلك التى تؤثر بشكل مباشر عليها، ثم تبحث ماذا تفعل فى كل سيناريو وتقيم معطياتها فى سبيل النجاة، والنجاة هنا تحمل معنى واحد لا ثانى له وهو مصلحة الدولة فى كل سيناريو من تلك السيناريوهات التى استشرفتها، طبعا مع الإبقاء على قيم الحق والعدل التى تميز مجتمع الإنسان عن شرائع الغاب، لأن الدولة عليها أيضا التزام أخلاقى تجاه شعبها وأجياله المتعددة.
بعد هذه الدراسة المستقبلية وعندما تتوصل الدولة إلى السيناريو الأقرب لتحقيق أهدافها ودعم استقرارها وصون مقدراتها عليها أن تتجهز لدخوله بدور رئيسى فاعل وليس ثانويا، على أن يحدث هذا بالتوازى مع سياساتها الداخلية والخارجية المعتادة، فبالطبع لا يعقل أن أترك الحاضر بمشاكله وأتفرغ لدراسة المستقبل، ولا يعقل أيضا أن أترك المستقبل غامضا حتى يفاجئنى كالصدمة، الأمم المتقدمة تدرس المستقبل فى خط متواز لسياساتها العامة.
الدول الضعيفة فى رأيى ليست تلك التى تخسر فى الحروب أو التى تعانى اقتصاداتها، فمثل هذه الخسائر تحدث لأكبر وأقوى الدول وتتعافى منها وتنتصر لاحقا، ولكن الدول الضعيفة هى تلك التى ترتضى دائما الجلوس فى مقاعد المتفرجين على خريطة العالم وأنا أيضا لا أقصد هنا أن تنخرط الدول فى حروب لا طائل لها منها ولا داع ولكن أقصد أن تحمى حاضرها ومستقبلها ومقدراتها المادية والمعنوية من أى خطر قادم وهذا بالطبع يتعارض مع فكرة الجلوس مع المتفرجين.