البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
أول وأهم حق من حقوق الإنسان على الإطلاق هو حق الحياة ومن يدافع عن هذا الحق سواء كانوا مسؤولين أو مواطنين عاديين، نشطاء أو باحثين فى منظمات أو صحفيين، هم حقا يدافعون عن حقوق الإنسان، والعكس صحيح من يدافع عن القاتل المجرم الذى يزهق الأرواح ويسوق له المبررات ويطلب له العفو وينادى بإلغاء حكم الإعدام الصادر فى حقه، قولا واحدا لا جدال فيه هو عدو لحقوق الإنسان.

ومن أجل الحياة أوجد الله الطب والتداوى ولم يخلق الله داء إلا خلق له دواء حتى ولو لم تكتشفه البشرية بعد، وفى كل الديانات لا يأخذ الروح غير خالقها، وفى ديننا الإسلامى "لنا فى القصاص حياة" و"من قتل يُقتل" وفى كل الثقافات والموروثات لدى كل الشعوب وبكل اللغات "العمر غالى" وبالعامية المصرية "العمر مش بعزقة" و"ياروح ما بعدك روح" و"للروح حلاوة لا تضاهيها حلاوة" وهكذا، فالحفاظ على حق الحياة هدف عظيم لكل المخلوقات، وعندما ابتلى الله العباد بوباء لعين مثل فيروس كورونا المستجد الذى تداعت الدول فى مواجهته، التفتت دول العالم إلى البحث العلمى وكل دولة وقفت أمام إمكانياتها ودخل العالم فى سباق لإنتاج لقاح ربما يقى البشرية شر هذا الوباء الذى أصاب ملايين البشر حول العالم وحصد مئات الآلاف من الأرواح وكان ولازال وسيظل الهدف هو الحفاظ على الأرواح.

وفى خضم هذا الهمْ الذى ألمْ بالعالم جراء هذه الجائحة، تُطل حقوق الإنسان فى المشهد العالمى وكأنها تريد أن تكشف لنا من معها ومن ضدها ومن يتاجر باسمها عبر السنين ومن يستخدمها كورقة لعب سياسية لتحقيق أهدافه الخبيثة فى حين أن حقوق الإنسان الحقيقية غير مدرجة على أجندة هؤلاء الذين يتشدقون بها زيفاً، وهنا أتوقف عند ما صرحت به مؤخرا جهات مسؤولة فى الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا وتناقلته الصحف ووكالات الأنباء العالمية بشأن جائحة كورونا، الموضوع باختصار أن بعض دول أوروبا وبعض الولايات الأمريكية مثل لوس أنجلوس على سبيل المثال أصدرت التعليمات لطواقم الإسعاف بعدم نقل أو استقبال مرضى الفيروس التاجى من كبار السن والحالات ذات الفرص الضعيفة فى الحياة، وكان العنوان الأبرز "دعهم يموتون فى سلام" فقد أمضوا من أعمارهم ما يكفيهم وليس لدينا طاقة لاستيعابهم!

أمريكا التى صدَّعتنا منذ عشرات السنين بحقوق الإنسان وفيها عشرات المنظمات تدعى العمل فى مجال حقوق الإنسان وعلى رأسها هيومن رايتس ووتش، وأوروبا التى تتشدق ليل نهار بقيم المساواة والعدالة الاجتماعية ويدير إعلامها ليل نهار اسطوانة حقوق الإنسان، وفيها أيضا عشرات المنظمات تدعى العمل فى حقوق الإنسان، وعلى رأسها منظمة العفو الدولية، ليس لديهم مانع فى ترك رعاياهم يموتون من المرض فقط لأنهم كبار السن وقد عاشوا ما يكفى وفرصهم للتعافى قليلة، ومن ثم فلا مانع من قتلهم، نعم قتلهم، ففى تقديرى أن من يأمر بوقف علاج مريض كمن يأمر بقتله وإنهاء حياته علانية، وهذا أمر صريح ضد حقوق الإنسان، فأى قانون ذاك الذى يبيح لدولة أو لسلطة أو لجماعة ما مهما بلغت سطوتها أن تحدد من يعيش ومن يموت وفقا لاعتبارات السن؟! هل يملك كائن من كان أن يمنح صكوك الحياة والموت لإنسان؟

وما يثير الغرابة والاستفزاز والاشمئزاز أيضا أن كل وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية وبعض وسائل الإعلام فى الشرق الأوسط والمنطقة العربية والتى كانت جميعها تنتفض لأن مصر ألقت القبض على إرهابيين وتحاكمهم، وحين يصدر ضد بعضهم أحكاما بالإعدام كانت تتباكى وتطلب إلغاء هذه الأحكام وهى نفسها وسائل الإعلام التى شاركت فى عملية قتل كبار السن بنشرها لخبر منعهم من العلاج، فهذه موافقة على المبدأ وحتى وسائل الإعلام الأخرى التى لم تعلق هى أيضا شاركت فى هذا القتل الجماعى ولو بالصمت العاجز لأنهم أقروا حق السلطات فى تحديد من يعيش ومن يموت وكل هذا كما أسلفنا يعادى أهم مبدأ من مبادئ حقوق الإنسان وهو حق الحياة.

لم نسمع صوتا لهيومن رايتس ووتش التى كانت فى حالة نباح دائم حين أقدمت مصر على تنفيذ العملية الشاملة "سيناء 2018" لتطهير مصر من الإرهاب ودك معاقله ووصفتها بجريمة ضد الإنسانية!! وكأنها لا تريدنا أن نواجه هؤلاء المجرمين من الإرهابيين أو تريدهم يستمرون فى قتل أبنائنا وكانت تنتفض حين القبض عليهم ومحاكمتهم وصدور أحكام بالإعدام فى حقهم.

كينيث روث المدير التنفيذى للمنظمة وسارة ليا ويتسن المديرة الخاصة السابقة للشرق الأوسط وشمال إفريقيا واللذان قادا حملة ضد مصر حين حكمت بالإعدام على قتلة النائب العام المصرى المستشار هشام بركات وهو صائم فى نهار رمضان قبل أكثر من خمس سنوات، لم نسمع لهما صوتا حين أمرت أمريكا وأوربا بترك الناس يموتون من المرض دون علاجهم، نجية بونعيم مديرة الحملات فى منظمة العفو الدولية لم تنطق ببنت شفة حين أمرت أوربا بترك الناس يموتون لكنها مثلا "تناضل" من أجل عدم تطبيق عقوبة الإعدام على القتلة فى مصر!

صمت رهيب من النشطاء و أصحاب "دكاكين حقوق الإنسان" ذات التمويل الأجنبى الكبير أمام القتل المتعمد لمرضى كورونا فى أمريكا، ولو أن مثل هذا الأمر يحدث فى مصر لانفتحت علينا الأبواق العفنة من كل حدب وصوب تتهمنا بالقتل العمد وانتهاك حقوق الإنسان، بيد أن مصر دولة كبيرة تعرف الرحمة وتطبق حقوق الإنسان مثلما وردت فى كل الأديان، وفى قاموس مصر لا وجود لجملة "دعه يموت فقد تقدم به العمر" ورغم كثرة عدد السكان تقدم مصر العلاج لكل إنسان طالما فيه روح ونفس.

الشاهد أن الكثير من المصطلحات الكبيرة المتعلقة بالقيم فى حياة الشعوب مثل حقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة والحرية وغيرها من المصطلحات تنتهك حين يتم تداولها بلغة السياسة واستخدامها كأوراق ضغط، و هاهى التجربة تؤكد ذلك فى أوربا وأمريكا بلاد الحريات كما تزعم، والتى تنصِّب نفسها حامية لحقوق الإنسان ووصية على العالم تنتهك أول وأهم حق من حقوق الإنسان وهو حق الحياة، وهذا يقودنا إلى عدم الانخداع بما يصدر إلينا عن صفات المجتمعات وسياسات الدول التى تصنف نفسها دول عظمى، فالعظيم فى رأيى من يعظم الحقوق والقيم ولا ينتهكها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز