د.حسام فاروق
ينقسم رواد فيس بوك وتويتر إلى فريقين أحدهما يراها مؤامرة دولية تسببت فى وصول جماعة الإخوان الإرهابية إلى سُدة الحكم، وصاحبها أعمال تخريب ونهب وحرق للمنشآت، وأضرت الاقتصاد والوضع المالى للدولة، وراح ضحيتها أنفس بريئة ساقها القدر إلى مصيرها، فى حين يراها فريق آخر ينسب نفسه للنشطاء أنها ثورة عظيمة ويسترجعون ذكرياتهم بحنين ويرددون شعاراتها عيش، حرية، عدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية، ولا شك أنها أهداف نبيلة وكثير ممن خرجوا لإعلائها مخلصون لبلادهم وإنسانيتهم.
لا بد أن نعترف أن هناك أسباب كثيرة وقوية أدت إلى غضب الناس وقادتهم ليعبروا عن ذلك الغضب يوم 25 يناير، غضب من الفساد والظلم والقسوة، هذا فى ظاهره أمر طبيعى وكان متوقعا أن ينتفض الناس ضد الظلم، لكن ما حدث بعد ذلك بداية من اختيار اليوم مرورا بأعمال العنف والتخريب وصولا للحرائق التى نشبت فى أماكن عدة يؤكد أن شيئا ما كان يحدث فى الكواليس أو أن أمرا ما يدبر ولا نعرفه ولا يعرفه معظم من خرجوا ليعبروا عن غضبهم، أمر مريب يختبئ خلف الغضب الشعبى، فلماذا وقع الاختيار على يوم عيد الشرطة المصرية؟ اليوم الذى نحتفل فيه بواحدة من أعظم البطولات على مدار التاريخ المصرى، موقعة الإسماعيلية 25 يناير 1952، قدم فيها رجال الشرطة المصرية أرواحهم فداء للوطن، وما الرسالة التى يراد توصيلها وهل لذلك علاقة بإحراق أقسام الشرطة واقتحام السجون والمقرات الأمنية؟
مشاهد كثيرة ألقت بظلال المؤامرة على ما حدث ونقصد هنا أن نتحرى دقة المصطلح ونقول "ظلال مؤامرة" حيث لا يمكننا وصف ما حدث كلية بالمؤامرة، دعونا نتذكر بعض هذه الظلال لمن ينكرها: هل كان من المعقول مثلا أن تدعى السفارة الأمريكية بالقاهرة سرقة 22 سيارة فى يوم واحد فى 28 يناير 2011؟ وهل مصادفة أيضا أن تقوم بعض هذه السيارات "بدهس" المتظاهرين؟!
إذا كنا نتحدث عن انتفاضة شعب قاسى وعانى ظلما فما علاقة ذلك بالعناصر الأجنبية التى شنت هجوما مسلحا على السجون وأقسام الشرطة والمقرات الأمنية، وأماكن الاحتجاز؟! وأخرجت المساجين من المحكوم عليهم فى جرائم ارتكبوها والمتحفظ عليهم ومن بينهم متهما أصبح فيما بعد رئيسا لمصر؟! وبماذا أفسر مثلا الاحتفاء بهؤلاء الهاربين فى غزة فى نفس ليلة إطلاق سراحهم ونقل قناة الجزيرة للحدث حصريا ومن أين لهم بهواتف "الثريا" التى تعمل عبر الأقمار الاصطناعية التى تواصلوا بها مع قناة الجزيرة فى وقت انقطعت فيه الاتصالات؟!
ما علاقة الأهداف النبيلة التى رفعها الشباب فى ميدان التحرير ببعض المشاهد المؤلمة مثل اقتحام المتحف المصرى فى ميدان التحرير؟ وإضرام المعتصمون بالميدان النار يوم 16 أكتوبر 2011 فى المجمع العلمى الذى أنشأته الحملة الفرنسية عام 1798م بقرار من قائدها نابليون بونابرت؟ وحرق عشرات الآلاف من الكتب والمخطوطات والوثائق النادرة التى لا تقدر بثمن؟ فوفقا لأقرب إحصائية فإن حريق المجمع العلمى أدى إلى تدمير 200 ألف كتاب تمثل تراث مصر القديم وجزء كبير من تاريخها.
السؤال، هل كان النشطاء والثوار سيأخذون حقهم بحرق كتاب "وصف مصر" الخسارة الأبرز فى الحريق؟! أم أن حرق مخطوطات من أيام الحملة الفرنسية كان سيحقق لهم الحرية والعدالة الاجتماعية ؟! وبماذا أسمى تجدد الحرائق فى نفس المبنى صباح الأحد 18 ديسمبر 2011 بعد انهيار السقف العلوى للمبنى من الداخل وانتشار الدخان الكثيف أعلى المبنى؟! وهل من العدل والإنصاف أن أصف من ألقى زجاجات المولوتوف الحارقة على المجمع العلوى ومن ألقى الحجارة على قوات الإطفاء التى كانت تحاول السيطرة على الحريق بالمتظاهرين والثوار؟! هل هؤلاء هم الورد الذى فتح؟ وفى أى مكان فتح؟ هل فى جناين مصر أم فى حرائق مصر؟
هل كان العيش الذى نادى به الشباب فى ميدان التحرير سيأتيهم على طبق من فضة عندما يحرقون محكمة جنوب القاهرة ومبنى اتحاد الكرة ونادى الشرطة ومجمع محاكم الجلاء وقاعة المؤتمرات؟!
فى تصورى بعد 10 سنوات من الحدث تتكشف فيها الحقائق تدريجيا فإن الدلائل والمشاهد والتحليل المنطقى لما حدث فى 25 يناير يذهب ناحية التفسير الذى يقول أنه غضب شعبى تم تسييسه واستخدامه من أطراف خارجية ودمجه فى مخطط أوسع استهدف المنطقة بأكملها أو أنه انتفاضة شعبية تم استخدامها ثم سرقتها لاحقا من جماعة إرهابية وكانت النتيجة الكارثية لتلك الانتفاضة أن يصل إلى حكم مصر عصابة إرهابية حولت أهداف هذا الغضب إلى أجندة للتنظيم الدولى للجماعة الإرهابية وهو ما يثير الجدل دائما حول إشكالية المصطلح الذى نصف به الحدث هل كانت ثورة أم مؤامرة؟
بعيدا عن المشاعر وتضليل العواطف التى تعمى أصحابها سواء كانت حبا أو كراهية، فالتاريخ لا يعرف الحب والكراهية ولابد أن يأخذ وقته حتى يقيم الحدث ويقول كلمته وحكمه بموضوعية ولا يجب أن ننظر للحدث بانعزال عن سنوات قبله كان أكثرها تأثيرا العشر سنوات الأخيرة التى تراكمت فيها المشاكل وتفشى الفساد، كل هذا كان مقدمات للغضب الشعبى لكن حتى مدة الـ10 سنوات لا أظنها كافية ليقول التاريخ كلمته، التقييم الموضعى سيكون صعبًا وغير دقيق.
وسط هذا الجدل.. وهل كانت ثورة أم مؤامرة من حقك كمصرى أن تفخر ببلدك، فالحقيقة التى لا ينكرها العالم الآن أن مصر هى الدولة الوحيدة الباقية وسط كل الدول التى عصف بها ما سمى بالربيع العربى لأنها استطاعت استرداد هويتها والحفاظ على كيانها بعد أن كانت مختطفة من قبل جماعة إرهابية، فالشعب الذى خرج فى 30 يونيو 2013 تعلم الدرس الذى لم يتعلمه الذين خرجوا فى 25 يناير 2011، وأدرك أن وطنه مستهدفا فتمسك به حتى صارت مصر الآن دولة ثابتة وراسخة تملك قرارها وعصية على المؤامرات ودمتم فى أمان.