د.حسام فاروق
والمثير للدهشة أن التوقيع الذى صاحب نهاية المقال كان "مسؤولاً كبيرًا فى إدارة ترامب"، وروى الكاتب المجهول كيف يعمل جاهدًا مع آخرين للتصدى من الداخل للشطحات السيئة لرئيس متواضع القدرات ومتهور.
حرك هذا المقال المريب تساؤلات كثيرة فى واشنطن وخارجها، من بينها على سبيل المثال: لماذا لم يكشف كاتب المقال عن نفسه ويخرج للعلن ليمنح وزنا أكبر لشهادته ولماذا فضل الاختفاء؟ وهل كتب المقال بمفرده أم أنه تحدث باسم مجموعة؟ وإن كانت مجموعة فهل أفرادها ضمن الدائرة المقربة للرئيس داخل ما سمى بالجناح الغربى أم أنه وزير أم مساعد وزير أو يعمل فى وزارة؟ أم أن الموضوع برمته من صنع نيويورك تايمز التى تناصب ترامب العداء حتى من قبل مجيئه للسلطة ولا تجد أى غضاضة فى توجيه الانتقادات الحادة له ووصفه بألفاظ لا تليق رغم كونه يجلس على مقعد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما لم تفعله ربما مع رئيس سابق.
الشاهد أن صحيفة نيويورك تايمز وقتذاك أشعلت فتنة داخل أروقة البيت الأبيض انطلقت شرارتها من صيغة توقيع كاتب المقال "مسؤول كبير فى إدارة ترامب"، ما رجح كفة سوء نية الصحيفة باعتبارها صيغة فضفاضة تحتمل أن يأولها القارئ لأكثر من سيناريو بما فيها أكثر السيناريوهات غرابة وتشويقًا لمعرفة ما سيأتى بعد ذلك.
غذت الصحيفة مشاعر الشك بين المسؤولين فى البيت الأبيض، إذ سارع مكتب نائب الرئيس مايك بنس بنشر بيان يؤكد براءته من هذا المقال وقال الناطق باسم بنس على موقع تويتر إن نائب الرئيس أكبر من أن يقوم بمناورات من هذا النوع كما أنه يوقع المقالات التى يكتبها بنفسه، مشيرًا إلى أن نيويورك تايمز عليها أن تشعر بالخجل مثل الشخص الغامض الذى كتب هذا المقال الخاطئ والعبثى والجبان.
ومن جهته، برأ رئيس الاستخبارات الوطنية دان كوتس ساحته من المقال وقال إن التكهنات بأنه أو مساعده هما من كتبا هذا المقال خاطئة تمامًا، وعلى نفس درب النفى سار مايك بومبيو وزير الخارجية وجيم ماتيس وزير الدفاع.
السؤال الذى يطرح نفسه فى أى سياق مهنى قدمت نيويورك تايمز هذه الرواية الصحفية المريبة التى صنعت بدورها أزمة داخل الإدارة الأمريكية وقتذاك، كيف تجرؤ الصحيفة الأمريكية على استهداف الرئيس شخصيًا بمقال أقل ما يمكن وصفه به أنه مؤامرة؟ وهل يعد أمرا عاديا لصحيفة أمريكية أن تشكك فى قدرات رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بهذه السهولة عبر مقال بلا توقيع؟ أم أن الأمر عداء شخصى بين الصحيفة ودونالد ترامب؟ ولماذا لم تستجب الصحيفة عندما طالبها الرئيس الأمريكى "باسم الأمن القومى" أن تفصح عن الكاتب؟ وهل من الممكن أن تفعل نيويورك تايمز ما فعلته هذا مع رئيس آخر للولايات المتحدة؟
أسئلة كثيرة طرحتها هذه الأزمة حول مصداقية نيويورك تايمز فى هذا المقال ومقالات مشابهة سابقة له وتالية عليه طوال مدة حكم دونالد ترامب كانت تستهدف شخص الرئيس فى العناوين والمتون لم يجب عليها إلا موقف حديث بعد أكثر من عامين ونصف على واقعة المقال مجهول النسب وتحديدًا الشهر الماضى عندما أقدمت الصحيفة الأمريكية العريقة التى يروق لها دائمًا الحديث عند حقوق الإنسان وحرية التعبير على طرد إحدى الصحفيات العاملات لديها بسبب تغريدة عن الرئيس الأمريكى الجديد جو بايدن، ففى 19 يناير الماضى قامت لورين ولف وهى صحفية ومصورة أمريكية معروفة وحاصلة على جوائز عديدة بالتغريد على موقع التدوينات القصيرة تويتر ليلة وصول الرئيس المنتخب وقتذاك قبل تنصيبه كرئيس فى اليوم التالى وكتبت: "شعرت بالقشعريرة حينما شاهدت طائرة الرئيس المنتخب جو بايدن، تهبط فى قاعدة أندروز العسكرية المشتركة بولاية ماريلاند".
وبعد يومين من التغريدة تم إنهاء خدمة لورين فى نيويورك تايمز وتركت منصبها، بعد أن التقطت تغريدتها من قبل مستخدمى وسائل التواصل الاجتماعى ومنافذ الأخبار، وقالت لورين إنها تعرضت منذ ذلك الحين لسيل من الإساءات، بما فى ذلك متابعتها من قبل مصور وهى تمشى مع كلبها.. انتقدت الأوساط الإعلامية صحيفة نيويورك تايمز واتهمتها بالاعتداء على حق إحدى العاملات لديها وكان رد الصحيفة عبرالمتحدثة باسمها دانييل رودس أنها لم تنه عمل لورين ولف ولكن الأخيرة لم تكن موظفة بدوام كامل، ولكن كانت متعاقدة وتم إنهاء التعاقد.
الخلاصة، أن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية التى تصدعنا كل يوم بالحديث عن حرية التعبير وتهاجم حجب حكومات عربية لمواقع إخبارية محرضة على الفوضى ونشر الشائعات فى تلك الدول وتتحجج دائمًا بحرية التعبير هى نفسها التى لم تحتمل أن تغرد صحفية لديها على تويتر معبرة عن حالتها أثناء رؤية طائرة الرئيس المنتخب بايدن، أو بالأحرى لم تحتمل تقبل أى كلمات يفهم منها معنى الغصب فى وصف طائرة الرئيس الجديد، فى حين ظلت نفس الصحيفة على مدار خمس سنوات تقريبا تهاجم رئيس الولايات المتحدة السابق دونالد ترامب وتصفه بالمتهور وفاقد الأهلية ولا غضاضة أن تقوم بزرع بذور فتنة داخل البيت الأبيض من آن لآخر طوال مدة حكم ترامب.
المقال المجهول النسب فى نيويورك تايمز الذى يسىء لدونالد ترامب قبل عامين ونصف وطرد الصحفية لورين ولف من نفس الصحيفة الشهر الماضى بجريمة أنها شعرت بالقشعريرة من رؤية طائر بايدن! يكشف كم التناقضات وازدواجية المعايير والمتاجرة بالمصطلحات داخل أروقة واحدة من كبريات الصحف العالمية.
أخيرًا، بالمناسبة هذه الصحيفة هى التى تتبنى على طول الخط موقف الدفاع عن بعض المواقع الإخبارية الإخوانية التى تبث محتوى إرهابيا وتحرض على الفوضى والعنف فى مصر وهاجمت الدولة المصرية لحجبها هذه المواقع، وفتحت صفحاتها لقيادات الإخوان الهاربة لتهاجم الدولة المصرية تحت مسمى الدفاع عن حرية التعبير، وسلم لى على حرية التعبير.