البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
ذات مساء شتوى بارد كنت عائدا من ندوة دُعيت إليها فى أحد مكتبات وسط القاهرة، وقررت فور انتهاء الندوة أن أعود إلى بيتى مترجلا من ميدان التحرير إلى حى العجوزة على ضفاف النيل، وهى مغامرة لطيفة ومحببة بالنسبة لى أكررها كثيرا فأنا أحب المشى جدا.

مضيت فى طريقى إلى أن دخلت فى دوائر من نور مبهج هائم ما بين السماء والأرض، وكلما اقتربت وجدت نفسى كما لو أننى دخلت متحفا مفتوحا على غِرار مدن أوروبا.

فى البداية، ظننت أننى أخطأت طريقى وبقليل من التركيز نظرت خلفى لأجد سور الجامعة الأمريكية، وفى مواجهتى مبنى مجمع التحرير العريق وقد تقلبت عليه أضواء لامعة! فقلت نعم إنه ميدان التحرير، لكن ما هذه الصورة المبهرة التى حل عليها، والتى كانت كفيلة للوقوع فى الحيرة؟ صورة حضارية عالية البهاء، مسلة فرعونية تحيطها كباش تم نقلها مؤخرًا من معبد الكرنك، وضعت وسط دائرة تقود إليها درجات من الجرانيت تم مزجها بالخضرة والأنوار الفخمة المتنقلة مابين المسلة والكباش ومجمع التحرير، وفى الخلفية أُعيد طلاء سلسلة طويلة من المبانى بلون موحد هو "البيج" أو "الترابى"، منظر يليق بعظمة مصر وتاريخها، وحضارتها العريقة، مزار سياحى يخطف القلوب والأبصار ويجعلك تطرح السؤال على نفسك و أنت فرِح بما ترى هل هذا المكان فى مصر؟ أم أنه أحد ميادين أوروبا الساحرة؟

نعم، إنها مصر التى تستعيد رونقها رويدا رويدا، مصر التى شغلت الدنيا بطولها وعرضها من هذا الميدان الذى آن له أن يكرَّم هو الآخر، إذ لا يليق بميدان التحرير أن يظل بأرصفته المكسرة وبلاطه المخلَّع وأكوام الحجارة هنا وهناك.

ما حدث فى ميدان التحرير من تجميل هو جزء من جمال مصر التى تتغير منذ 30 يونيه 2013، مصر التى استعادت هويتها ومضت قدما فى البناء والتنمية وقادت حملة كبيرة للقضاء على العشوائيات ونقلت الناس منها إلى مدن جديدة تليق بحياة البشر ثم طورت هذه العشوائيات، مصر التى تدشن المشاريع الكبرى فى كل الاتجاهات وتفتح آفاقا جديدة للشباب، وتستعيد مكانتها إقليميا ودوليا ويعلو صوتها بحجم التاريخ والحضارة، نعم مصر تستحق هذا الجمال الذى رأيته فى ميدان التحرير.

المفارقة العجيبة أنه بعد ساعة تقريبا من هذا المشهد، وبينما أنا أتصفح كعادتى اليومية ما كتب عن مصر ببعض الصحف الأجنبية فى تلك الليلة، وجدت تقريرا فى صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية كتبه ديكلان والش مراسل الصحيفة بالقاهرة حمل عنوان "عقد من الزمان، يملأ الصمت ميدان الأحلام المكسورة فى مصر" كان الكاتب يتحدث بمناسبة مرور 10 سنوات على ما عرف اصطلاحا بـ"الربيع العربى"، لفت نظرى أن الكاتب بدأ تقريره بالكتابة عن ميدان التحرير فى حلته الجديدة، وأعرب عن استيائه من هذا المشهد الجمالى الساحر للميدان! والذى لا يروق له ووصفه نصا بأنه مظهر جديد عقيم!!

وبإمكانك عزيزى القارئ أن تضع ما شئت من علامات تعجب ولا لوم عليك فربما للمرة الأولى فى حياتك كقارئ تشهد أن مراسلا بصحيفة عالمية كبرى مستاء من مظهر جمالى أخاذ كميدان التحرير الآن، لكنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور.

انخرط مراسل نيويورك تايمز متحدثا عن أيام يناير فى ميدان التحرير 2011، مرددا بعض المصطلحات المجهزة التى ترددها أبواق التنظيم الدولى لجماعة الإخوان الإرهابية فى عدد من العواصم من عينة أن الآمال فى مصر الديمقراطية قد تحطمت والقمع يسود وغيرها من المصطلحات المجهزة للطرح فى مثل هذه المناسبات.

ولم يخف الكاتب مشاعر الكره للمظهر الجمالى الجديد، وقال إن أكبر دليل على حال البلاد الذى لا يعجبه الآن هو وجه الساحة التى شهدت أهم أحداث الثورة والتى تحولت إطلالتها - فى رأيه - إلى مظهر فخم يهيمن عليه الصمت وتحيطه أجواء فرعونية وبات أشبه بساحة أشباح!

وهنا أقول للسيد والش، الأشباح لا تظهر فى هذه الأنوار المبهجة، الأشباح تظهر فى الظلام أيا ما كان فى الأمكنة أو الرؤى أو القلوب، ثم أتى بما أسماه شهادات من بعض سكان المكان يعبرون عن استيائهم من أعمال التطوير والتجميل!

ونقل رأى أحد الأشخاص، قال إنه صاحب فندق بالميدان وشاهد على ما لحقه من تطوير، المتحدث الذى يبدو أنه أملى عليه ما يقول أو ربما لا وجود له من الأساس، قال بما يخالف المنطق والواقع أن الشكل الجديد للميدان صرف عنه الأجانب أولا ثم المصريين لاحقا!، وكأن الناس فى هذا الزمان – وفقا لشهادة هذا الشخص الذى لا نعرف من هو - تنصرف عن الجمال وتبحث عن نقيضه!، ثم استكمل شهادته العجيبة بأن العزوف عن الإقامة بالميدان ليس ناشئا عن تداعيات جائحة كورونا، بل عن واقع الميدان الجديد، لدرجة أنه يعرف الساحة بالكاد الآن، وكأن الأمكنة يجب أن تعرف بمظهرها الفوضوى.

ثم استعان ديكلان والش بشهادة شخص آخر من نفس العينة وصفه باليسارى المصرى فلان قال أنه لم يستطع إخفاء ازدرائه لمظهر التحرير الجديد، قائلًا: "هذه ليست مصر"، ربما لم يخطئ الشاهد الثانى وزميله السابق ومن طللبهما للشهادة فبالفعل هذه ليست مصر التى يريدونها، لكنها مصر التى نريدها نحن كبيرة عظيمة ترتقى وتتجمل.

قال ديكلان والش، إن هذا التجديد بمثابة تغيير لشخصية التحرير، دون أن يوضح أى شخصية يقصد، ولو أخذنا كلامه على صعيد الشكل بما أن التطوير حل بالشكل بإمكاننا أن نستنتج ما يقصده، فربما قصد مثلا أن ميدان التحرير فى أيام يناير 2011 كانت له شخصية جمالية أبهى وأجمل من مظهره الآن؟!

يبدو أن السيد والش يحب الأرصفة المكسرة والبلاط المخلَّع وأكوام الحجارة وأعمدة الإنارة المعطلة والمائلة، وما حديثه عن الآمال المحطمة إلا شوقا فى البنية التحتية المحطمة، ما هذا النخل الجميل الذى وضع فى الميدان؟! وما هذه الإضاءة الخلابة؟! وما هذه المسلة ؟! و ما هذه الكباش؟! لقد انزعج والش يا سادة فلتعيدو له الميدان إلى سيرته الأولى أعيدوا له كل مكسر ومحطم حتى يبتهج، اطفئوا الأنوار، واستدعوا الأشباح لمراسل نيويورك تايمز حتى يهدأ!

الخلاصة أن السيد والش، الذى لم يرق له الجمال وفسر أعمال تطوير ميدان التحرير الأخيرة بأنه محاولة سريعة من الدولة لمحو أى أثر للثورة فى الميدان، وأنها الخطوة الأخيرة فى تغيير وجهه مندهشا من استمرار العمل فى أعمال التطوير للميدان حتى مع تفشى وباء كورونا بمصر فى الصيف الماضى، ولا نعرف أيضا هل يجب على الصحافة أن تشيد بالإنجاز أم تنزعج منه هل تحرك الحكومة المصرية بخطى سريعة نحو تطوير الميادين والشوارع وتجميل وجه مصر بما يليق باسمها ومكانتها وحضارتها وتاريخها عمل يستحق أن يهاجمه مراسل صحيفة أجنبية تحت ذريعة محو الثورة مثلما ذكر فى مقاله؟!

أخيرا أقول للسيد ديكلان والش، إن لم يعجبك الجمال فلتصمت، فربما نفسر ذلك أن الصمت فى حرم الجمال جمال، ولا تجعل مشاعرك غير الطيبة تطغى على عملك كمراسل صحفى يفترض فيه أن ينقل الأخبار دون تدخل منه، إن الله جميل يحب الجمال والجمال له ناسه والقبح أيضا له ناسه.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز