د.حسام فاروق
قامت الدنيا ولم تقعد والأمر بلاشك مهم ويستحق، فلا يجوز بأى حال من الأحوال توجيه الإهانات للناس عبر الإعلام، أو غيره، وانهالت البلاغات من كل حدب وصوب تطالب بمعاقبة المذيع، ووصل الأمر لنواب البرلمان وبدأت التحقيقات السريعة من قبل الجهات المعنية مع المذيع الذى استبق وقدم اعتذارًا صريحًا لا يقبل التأويل، يكفى اختصاره فى جملة وجهها لأهلنا فى الصعيد قائلا: "جزمكم فوق راسى"، لكن رغم الاعتذار مازال الغضب موجودًا بحسب ما أطالعه على مواقع التواصل الاجتماعى وفى المواقع الإخبارية المنضبطة، وما يقوله لى أصدقائى الأعزاء من "الصعايدة" ذوى الدم الحامى والمواقف الحاسمة، فلم أنس ما قاله لى أحدهم "مش مسامحينه ولو اعتذر للصعايده نفر نفر".
مع اعترافنا بأن الأيام قادرة على تخفيف حدة المشاعر مهما كانت من حزن أو غضب، فقد ينتهى المشهد عند هذا الحد مذيع أخطأ وتمت معاقبته العقاب الذى أراه رادعًا ومستحقًا، وبعد أسابيع أو شهور سينسى الناس ما جرى، إلى أن يقع خطأ جديد من مذيع آخر وهكذا.. فالمتابع للقنوات الفضائية يستطيع أن يستخرج فى العام الواحد واقعتين أو ثلاثة مثلت أخطاء جسيمة لمذيعين ومذيعات شغلوا الرأى العام وتمت معاقبتهم، وبعد أسابيع أو شهور عادوا إما لنفس النافذة الإعلامية أو لنوافذ أخرى وكأن شيئًا لم يكن، وتدريجيًا قد يعود بعضهم لنفس طرائقه القديمة التى أوقعته فى الأخطاء.
فى رأيى أنه طالما تعاملنا مع الأزمة على أنها حالة فردية وانتهى الأمر فستحدث مرة ثانية إن آجلا أو عاجلاً لاسيما وأن عدد القنوات الفضائية الآن ربما يقارب عدد مشاهديها!.
وما الحل إذًا؟ فى تصورى أننا فى حاجة ماسة لضبط المشهد الإعلامى برمته وليست المشكلة فى مذيع أو برنامج أو قناة، فنحن بلاشك أمام مشكلة إعلام فى جانب منه ضَل طريقه وحاد عن مهنيته، وبات يحتاج لتقويم سريع وعلاج فعَّال.
إذا نظرنا على سبيل المثال للخطأ الذى تسبب فى المشكلة الأخيرة سنجده خرج فى برنامج يتم تصنيفه فى فئة برامج "التوك شو"، ولمن لا يعلم فإن هذا القالب من البرامج والمتعارف عليه مهنيًا على مستوى العالم هو برنامج حوارى يأخد الطابع الساخن والمباشر فى الحوار مع الضيف، ويناقش مشاكل المجتمع، وظهر فى الإذاعة أولاً خلال النصف الأول من القرن العشرين قبل أن ينتقل إلى الشاشة لأول مرة فى الولايات المتحدة مع أول برنامج تليفزيونى حوارى على الهواء فى عام 1951، وحينها أصبح المذيع "إدوارد مورو" اسمًا مألوفًا ببرنامجه "تو نايت شو" الذى كان يبث فى عطلة الأحد من كل أسبوع، ويناقش السياسة والحياة فى أمريكا، ووصلت هذه النوعية من البرامج إلى مصر متأخرة 20 عامًا تقريبًا على هذا التاريخ.
الخلاصة، أن هذه البرامج تقوم على الحوار وطرح المشكلات على ضيوفها بحثًا عن حلول ويقتصر دور مقدم البرنامج فيها على طرح الأسئلة والاستفسارات على ضيوفه، وليس دوره أن يبدى رأيه وينظِّر ويفترش الشاشة كأنه المنتج والمصنِّع والبائع والمذيع والضيف وكل شىء.
للأسف هذا ما يحدث الآن على بعض الفضائيات المصرية فى مثل هذه النوعية من البرامج، فمقدم البرنامج يبدو وكأنه الخبير فى كل شىء، العالم ببواطن الأمور، الموجود فى كواليس القرارات التى صدرت والتى ستصدر، وهو أيضًا الواعظ الناصح الأمين، رأيه لا يقبل النقاش، ومع الوقت يتخيل أنه أهم من كل شىء حتى من مشاهديه! ويعتقد خطأ أن المساحة الزمنية التى أعطيت له ليطل فيها على الناس هى ملكه وحده يفعل فيها ما يشاء دون رقيب أو حسيب! حتى تحولت بعض برامج "التوك شو" إلى مساحة لاستعراض آراء وأفكار وعبقرية المذيع، مع غياب تام للفهم الخاص بطبيعة الرسالة الإعلامية لمثل هذا النوع من البرامج.
الأخطر فى هذه الحالة أن مقدم "التوك شو"، والذى بالتأكيد دارس لنوع واحد من العلوم أو الفنون - وبعضهم نسى ما درس - يفتى فى كل شىء من دون علم أو دراسة، ويمارس التنظير من مقعده الوثير تحت الأضواء فى الاستوديو الفخم، ويتقمص دور المدرس للتلاميذ وهو يخاطب المشاهدين ويعرض أفكاره الساذجة، حتى أن بعض مقدمى البرامج من هذه النوعية، لا سيما بعد 2011، اعتقد أنه فى مكانة الحكماء والفلاسفة وصنَّاع السياسات، ويجب أخذ رأيهم فى أى أمر يهم الناس وبعضهم يبدأ برنامجه بالتنظير على القرارات الحكومية هذا صحيح وهذا خطأ، هذا يجوز وهذا لا يجوز!
البعض ينفعل على الهواء طالبًا من فريق الإعداد بصوت عال "هاتولى الوزير أو المحافظ الفلانى"، وقد يحدث ذلك مثلاً عند منتصف الليل، و"يا ويله ويا سواد ليله" المسؤول الذى لا يرد على "معالى" السيد مقدم برنامج "التوك شو"، سينال نصيبه بداية من الاتهام بالتقصير وصولاً للهمز واللمز، وطبًعا لم يقدِّر "معالى" مذيع "التو ك شو" أن المسؤول الفلانى قد يكون نائمًا بعد عناء يوم عمل طويل، وليس مطلوب منه أن يستيقظ عند منتصف الليل ليرد على المذيع!
فى بعض الحالات التى يتم فيها استضافة خبراء متخصصين للتعليق على أمر ما تجد المذيع يحاول إدخال الضيف فى منطقته ليوافقه فى الرأى، ففى تصور المذيع أنه هو وحده نجم هذه الساعة أو هاتين الساعتين من البث ولا يجوز للضيف مهما كان أن يخرج عما يطرحه المذيع وإلا فقد الأخير شخصيته!.
ما يفاقم المشكلات هو ذاك الارتباط الوثيق الآن بين هذه النوعية من البرامج وبين مواقع التواصل الاجتماعى - كشأن الإعلام عمومًا- وهوس "التريند" الذى قد يضطر صانع المحتوى التليفزيونى ومقدمه أن يقدم شيئًا غير منطقى، المهم "التريند"!
فى تقديرى أن مذيع الأزمة مع أهلنا "الصعايدة" اعتقد أن ما قاله سيصبح "تريند" قد يحرك الأقلام نحوه ويجعله بطل لـ"ليلة أو ليلتين" فيما عرف بالاصطلاح الدارج "الهرى الفيسبوكى"، وقد يكون فى حاجة لبعض هذه الدعاية، لكنه أخطأ التقدير وخاب ظنه، لم يدرك أنه عند لحظة معينة قد ينقلب السحر على الساحر فى جزء من الثانية.
ما أود الإشارة إليه هنا أن ضبط المشهد الإعلامى برمته سيحول دون ظهور مثل هذه الأخطاء وأتمنى أن تكون غضبة أهلنا "الغاليين" فى الصعيد دافع كبير لإعادة التفكير فى الرقابة على المحتوى وضبط الأداء الإعلامى بشكل عام وليس فى برامج "التوك شو" فقط وتفعيل العمل بالمواثيق الأخلاقية التى تحكم المشهد الإعلامى وإعادة النظر فى الوجوه والعقول التى تطل عبر الشاشات ومراجعة مؤهلاتهم وما إذا كانت تتناسب وما أوكل إليهم والمساحات الزمنية التى يقتطعونها من عمر المتلقى.