البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
يبدو أن الإدارة الديمقراطية التى سكنت البيت الأبيض قبل أقل من ثلاثة أشهر بدأت بالفعل فيما يمكن تسميته "تصفية الحسابات" بأساليب أقل ما توصف به أنها ابتزاز سياسى.

فبعد أكثر من عامين على قضية مقتل المواطن السعودى جمال خاشقجى فى قنصلية بلاده بإسطنبول، الآن تعيد القضية للتداول من جديد ومن دون حدوث أى جديد! بالكشف عن تقرير استخباراتى ظل شهور فى أدراج المخابرات الأمريكية، وبتصريح ذى صلة لـ جين ساكى المتحدثة باسم البيت الأبيض، قالت فيه "إن الولايات المتحدة تحتفظ لنفسها بحق فرض عقوبات على ولى العهد السعودى محمد بن سلمان مستقبلا إن لزم الأمر"، وهو ما يشير إلى أن ثمة تحركات أمريكية تستهدف العلاقة مع الرياض ويؤكد هذا أيضا تصريح الرئيس بايدن، مؤخرًا بأن المملكة العربية السعودية شريك وليست حليف، وهذا معناه إقرار بتخفيض درجة قوة العلاقة.

التقرير المعلن عنه بُنى على استنتاجات وتخمينات وافتقد لعنصر التوثيق القانونى، ومن ثم لا يمكن اعتباره قرينة قانونية تدين ولى العهد السعودى، لكن السؤال الذى يطرح نفسه: لماذا يعاد الحراك فى هذا الموضوع؟

المملكة العربية السعودية فعلت أقصى ما يمكن فعله فى هذه القضية، فسارعت بالتحقيق فيها وصدرت أحكام نهائية بحق المدانين، واتخذت إجراءات ضابطة لعمل مختلف الأجهزة الحكومية، حيال تلك الجريمة، ومن جانبها شكرت عائلة خاشقجى قيادات المملكة على التحرك السريع والمنصف وأسقطت الدم وتقبلت الأحكام الصادرة ضد الجناة، والتى أثبتت بها الرياض حرصها على مواطنيها داخل وخارج حدودها، كما قطعت بموجبها الطريق أمام محاولات الصيد على جثة أحد مواطنيها بهدف النيل من استقرارها ووقف خطواتها الجادة نحو مستقبل جديد يمثل نقلة حضارية كبيرة للمملكة.

بتحليل علمى لمضمون التقرير المذكور نجد أنه لا يخرج عن كونه استنتاجات وتكهنات وترجيحات، تكاد تتطابق مع التى سبق ونشرتها المخابرات التركية وروجها الإعلام المعادى للسعودية، ويتضمن العديد من الكلمات تحمل معانى الشك وعدم التأكد من عينة "ربما، قد، من الممكن، نتوقع، نعتقد، نلتمس، نرى"، شأنه شأن سابقيه من التقارير الاستنتاجية - التى عانت بسببها أمتنا العربية الكثير من الويلات والمآسى، كالتقارير التى تم نشرها بشأن برنامج الأسلحة النووية العراقى، وتقارير إدارة بارك أوباما التى تضمنت تحريضا للشعوب وإشاعة للفوضى والتخريب، تحت عنوان مغلوط هو "الربيع العربى" والذى انتهى بعدد من الدول العربية إلى حروب وصراعات مسلحة، وتدمير لمقدراتها ومواردها، ولكم فى ليبيا خير مثال وكانت العراق قد سبقتها بسنوات، فليس خافيا أيضا أن الولايات المتحدة كانت كلمة السر فيما أصاب المنطقة قبل عقود بدعمها للفوضى تحت عنوان مغلوط من الديمقراطية وحقوق الإنسان ومساندتها للتيارات الإرهابية المتطرفة، حيث انتشرت فى منطقتنا فرقا للموت ومنظمات إرهابية تحت مسمع ومرأى وغض طرف من أمريكا.

للإجابة على السؤال السابق وهو لماذا فى هذا التوقيت يثار أمر خاشقجى؟

 نقول: فى تصورنا إن التقرير فى حد ذاته على ما به من ضعف وركاكة، ربما يكون خطوة تمهيدية لخطوة تالية ستقدم عليها الإدارة الأمريكية فى تعاملها مع السعودية ودول المنطقة لتقول أن الديمقراطيين يختلفون فى معالجاتهم للقضايا وفى علاقاتهم مع الدول - بما فيها الحليفة والتى قد تصبح غير حليفة - عن الجمهوريين وهو التعهد الذى لطالما صرح به الرئيس جو بايدن، أثناء حملته الانتخابية والذى حمل فى كثير من الأحيان لغة أقرب إلى التهديد وتوجيه الاتهامات والتنابز بالألقاب من دون سند أو بأسانيد من طرف واحد تتعارض مع مبدأ النزاهة والحيادية ولا يمكن قبولها، وكانت قراءة المحللين لتصريحات جو بايدن، وقتذاك تميل إلى وصفها بـ"لغة انتخابات" لا تخلو من محاولات كسب التعاطف، ولا يمكن قبولها على قوتها فى نفس السياق الذى قيلت فيه، والمتعارف عليه أن كل إدارة أمريكية تتولى السلطة تتبنى فكرة تحاول من خلالها تفسير كل تحركاتها، والديمقراطيون حاليا يتبنون فكرة أنهم حماة حقوق الإنسان فى العالم وأنهم الأوصياء عليها، مثلما كان  الجمهوريون فى الفترة الأولى لجورج بوش الإبن عقب حادث 11 سبتمبر 2001  يتبنون فكرة "دمقرطة العالم" وجهزوا وقتذاك قوالب من الديمقراطية المعلبة وسعوا بالفعل إلى فرضها على بعض الدول، لكن تجربتهم فشلت بل فاقمت مشكلات تلك الدول، فلم يدرك الأمريكان وقتها حقيقة الاختلاف بين الشعوب وما يمكن وما لا يمكن قبوله.

الديمقراطيون فى الإدارة الحالية يعتقدون أنهم وحدهم وبنصائح أصدقائهم هم من يقررون أن هنا مخالفة أو هناك تعلية لحقوق الإنسان فى أى مكان بالعالم وتحولت حقوق الإنسان إلى ورقة ضغط تمادى البعض فى استخدامها لدرجة التدخل فى شؤون الدول والتنظير على سياساتها واتهام قاداتها دون دليل.

التقرير المفرج عنه بشأن حادثة خاشقجى، لا نستطيع النظر إليه بمعزل عن آلة الكذب التى دارت فى بعض وسائل الإعلام البريطانية والتركية منذ الإعلان عنه، محملة بمزيد من الافتراء والتضليل، فى محاولة لتسييس القضية وتحريض الإدارة الأمريكية الحالية على اتخاذ موقف عدائى مع المملكة ومع ولى العهد دون دليل حقيقى، ويبدو أن الأمير الشاب الذى يقود نهضة حقيقية لم تشهدها المملكة فى تاريخها لا يروق لهم أو ربما تتعارض أفكاره المستقبلية مع طموحاتهم.

وفى السياق ذاته أيضا هناك أياد غير بيضاء لما تسمى نفسها منظمات حقوقية، تضغط على الرئيس الأمريكى، بحسب ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز، للإعلان عن موقف حاد مع المملكة، ونقلت الصحيفة عمن وصفتهم بمسؤولين رفيعى المستوى فى الإدارة الأمريكية، قولهم إن بايدن توصل، بعد أسابيع من المناقشات مع فريقه، إلى أن ثمن الإضرار بالعلاقات الأمريكية السعودية سيكون باهظًا للغاية.

 لكن يبدو أيضا أن الضغوط مستمرة ولا نعرف هل سترضخ إدارة بايدن لها أم ماذا؟ ففى ظل حديث متبادل بين الجانبين الأمريكى والسعودى خلال الأيام الماضية أن الشراكة بين البلدين استراتيجية وقوية ومتينة، وحديث أمريكى عن أهمية دور المملكة المحورى لأمن واستقرار المنطقة وتجديد التزام الولايات المتحدة بمساعدة المملكة فى الدفاع عن نفسها، هناك خطاب موازى تتبناه إدارة بايدن، يثبت أن الحديث الدبلوماسى شىء والتحركات الأخيرة من قبل الإدارة الأمريكية فى قضية محسومة كقضية خاشقجى، شىء آخر، على سبيل المثال ما قاله الرئيس الأمريكى، ليلة الإعلان عن التقرير لشبكة يونيفيجن Univision التليفزيونية الأمريكية الناطقة بالإسبانية، إنه أبلغ الملك سلمان بأن واشنطن لن تتهاون فى انتهاكات حقوق الإنسان وستحاسب مرتكبيها!

فى رأيى أن الهدف ليس حقوق الإنسان وليس خاشقجى كما تروج بعض الأصوات من الديمقراطيين فى الكونجرس مع أصدقائهم من سماسرة الأوطان أمثال الإخوانى الهارب عمرو دراج وزملائهم القدامى فى منظمة "هيومن رايتس ووتش" المسيسة وبعض عناصر الإخوان المتأمركين أمثال محمد صلاح سلطان وغيره، ولكن الهدف هو تصفية الحسابات ومحاولة جديدة للعب فى المنطقة بمعطيات جديدة، وإعادة ترويج مخطط الفوضى الذى فشل فى 2011، وتبنى سيناريو جديد للخراب العربى، فأخطر ما يمكن أن تواجهة منطقة أو دولة هو محاولة التفكيك من الداخل وإشاعة الفوضى وبالطبع لا يمنع الأمر من بعض المكاسب المادية لأمريكا عبر ابتزاز مادى وسياسى على طريقة "شخلل علشان تعدى" وهى جملة مأخوذة من فيلم "سلام يا صاحبى" للفنان عادل إمام ومقصود بها هؤلاء الذين يفرضون "إتاوات" على البشر فقط للسماح لهم بالمرور والتعامل.

فى الوقت الذى تفتح فى الإدارة الأمريكية أدراجها القديمة وتستخرج أوراقا منقوصة المصداقية لإدانة ولى العهد السعودى دون دليل، فقط لتثبت ما تطرحه من رؤية تحمل عنوان إعادة النظر فى العلاقات مع السعودية هى نفسها التى يثبت فشلها يوما بعد يوم فى التعاطى مع إيران وأذرعها الإرهابية واحتواء ممارساتها الإجرامية فى كل من لبنان والعراق وسوريا واليمن، بل وأول ما فعلته أعادت النظر فى قرار إدارة ترامب إدراج جماعة الحوثى أحد الأذرع الإرهابية فى المنطقة فى قوائم الإرهاب .

لو اعتبرنا هذا التقرير بلغة السياسة ورقة لعب، فهى ورقة محروقة وما تفعله الإدارة الأمريكية الآن مجرد إعادة تدويرها بطريقة جديدة بهدف استخدامها للتدخل فى شؤون دولة كبيرة ومحورية كالمملكة العربية السعودية، لعل ذلك يجلب مصلحة ما للديمقراطيين، وتبقى كل الاحتمالات واردة فيما هو آت.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز